تقارير إخبارية

الصين تكسر الاحتكار وتقترب من الاكتفاء الذاتي بأشباه الموصلات

بناء نموذج صيني أولي لآلة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV)

كشفت وكالة رويترز أن علماء ومهندسين صينيين تمكنوا من بناء نموذج أولي لآلة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV)، وهي التقنية الأكثر تقدّماً في صناعة رقائق أشباه الموصلات، ما يمثل تحدياً مباشراً للاحتكار الغربي لهذه التكنولوجيا، ويشير إلى أن الصين قد تكون أقرب مما كان يُعتقد لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الرقائق الإلكترونية.

ووفقاً لمصادر رويترز، يشغل النموذج الأولي مساحة تقارب مساحة أرضية مصنع كامل، واكتمل بناؤه ضمن مختبر شديد الحراسة بمدينة شنتشن في أوائل عام 2025، اعتماداً على فريق من المهندسين السابقين بشركة ASML الهولندية العملاقة، وقطع غيار من آلات قديمة للشركة في الأسواق الثانوية، وهو يخضع حالياً للاختبار.

ماهي آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة؟

آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV) هي أجهزة ضخمة ومعقدة تستخدم ضوء بطول موجي قصير جداً (13.5 نانومتر) لنقش دوائر أدق آلاف المرات من شعرة الإنسان على رقائق السيليكون، ما يمنح المعالجات قوة وكفاءة غير مسبوقة.

وتُعد هذه الآلات الركيزة الأساسية لصناعة الرقائق المتقدمة التي تقود الهواتف الذكية والحواسيب وتقنيات الذكاء الاصطناعي والأسلحة الحديثة.

وهي تعمل بإطلاق ليزر قوي على قطرات قصدير منصهر لتوليد بلازما شديدة الحرارة، ثم يُجمع الضوء ويوجه عبر أنظمة بصرية فائقة الدقة لتشكيل التصاميم الإلكترونية، وكلما صغرت الدوائر التي تنتجها ازدادت قدرة الرقائق على معالجة البيانات بسرعة وفعالية، وهو ما جعل EUV محوراً رئيسياً في “الحرب التكنولوجية الباردة” بين الشرق والغرب.

هذه التكنولوجيا الفائقة تحتكرها شركة ASML الهولندية، المورد الوحيد عالمياً لمثل هذه الآلات، ولم تتمكن أي جهة حتى الان من إتقانها، إذ استغرق تطويرها نحو عقدين من الزمن وكلف مليارات اليورو قبل أن تُطرح رقائقها تجاريًا عام 2019.

وتبلغ تكلفة كل آلة EUV حوالي 250 مليون دولار، وحجمها يقارب حجم حافلة مدرسية وتزن نحو 180–200 طن، وتُعد ضرورية لتصنيع أحدث الرقائق التي تصممها شركات مثل Nvidia وAMD وتنتجها مصانع كبرى مثل TSMC وIntel و Samsung.

وتتوفر أنظمة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV) من شركة ASML حاليًا لحلفاء الولايات المتحدة بما في ذلك تايوان وكوريا الجنوبية واليابان.

ورغم تصريحات الرئيس التنفيذي لـ ASML، كريستوف فوكيه، بأن الصين ستحتاج إلى سنوات طويلة للوصول إلى هذه التكنولوجيا، فإن ظهور نموذج أولي صيني – كما كشفت رويترز – يوحي بأن بكين قد تكون أقرب مما توقع المحللون لتحقيق الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات، رغم استمرار التحديات الكبرى في استنساخ أنظمة البصريات الدقيقة التي يحتكر إنتاجها الموردون الغربيون.

الصين تكسر الاحتكار وتقترب من الاكتفاء الذاتي بأشباه الموصلات عبر نموذج أولي لآلة الطباعة EUV،شركة Asml الهولندية
تتوفر أنظمة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV) من شركة ASML حالياً لحلفاء الولايات المتحدة بما في ذلك تايوان وكوريا الجنوبية واليابان.

القيود الأمريكية على شركة ASML الهولندية

مارست الولايات المتحدة، ابتداءً من عام 2018، ضغوطاً على هولندا لمنع شركة ASML من بيع أنظمة الطباعة الحجرية فوق البنفسجية المتطرفة (EUV) إلى الصين، وتوسعت هذه القيود في عام 2022 عندما فرضت إدارة بايدن ضوابط تصدير شاملة تهدف إلى قطع وصول الصين إلى تكنولوجيا أشباه الموصلات المتقدمة.

ولم تستهدف الضوابط أنظمة الأشعة فوق البنفسجية المتطرفة فحسب، بل استهدفت أيضاً آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية العميقة القديمة التي تنتج رقائق أقل تطوراً مثل رقائق هواوي، بهدف إبقاء الصين متأخرة بجيل واحد على الأقل في قدرات صناعة الرقائق.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن إدارة ترامب عززت تطبيق ضوابط التصدير على معدات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة، وتعمل مع الشركاء “لسد الثغرات مع تقدم التكنولوجيا”، فيما أعلنت وزارة الدفاع الهولندية من جهتها أن هولندا تعمل على تطوير سياسات تتطلب من “مؤسسات المعرفة” إجراء فحوصات للأفراد لمنع وصول “الأفراد ذوي النوايا السيئة أو المعرضين لخطر التعرض للضغط” حسب وصفها إلى التكنولوجيا الحساسة.

وأبلغت المصادر أن القيود المفروضة على الصادرات أبطأت تقدم الصين نحو الاكتفاء الذاتي في مجال أشباه الموصلات لسنوات، وقيدت إنتاج الرقائق المتقدمة في شركة هواوي.

الصين تكسر الاحتكار وتقترب من الاكتفاء الذاتي بأشباه الموصلات عبر نموذج أولي لآلة الطباعة EUV

تفاصيل بناء نموذج (EUV) الصيني

تشير المعلومات إلى أن بناء النموذج الصيني لآلة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV) تم بعمليات هندسة عكسية لأجهزة شركة ASML، واعتمدت الصين في بنائه على استخراج مكونات من الآلات القديمة للشركة وشراء قطع غيار من أسواق السلع المستعملة، وأحياناً عبر شبكات شركات وسيطة لإخفاء هوية المشتري النهائي، إضافة إلى استخدام مكونات مقيدة التصدير من شركتي نيكون وكانون اليابانيتين.

وتضيف أن مزادات دولية لمعدات أشباه الموصلات القديمة، بما فيها معدات طباعة ضوئية من ASML، بيعت في الصين حتى أكتوبر 2025 عبر منصات مثل علي بابا للمزادات.

وقد أكدت شركة ASML لوكالة رويترز أنه لم يتم بيع أي نظام طباعة حجرية فوق بنفسجية متطرفة (EUV) إلى أي عميل في الصين.

وقيل إن النموذج الصيني بدائي مقارنة بآلات شركة ASML ولكنه يعمل بشكل كافٍ للاختبار، إذ الباحثين كافحوا للحصول على أنظمة بصرية مثل تلك التي تنتجها شركة كارل زايس الألمانية، وهي أحد الموردين الرئيسيين للشركة الهولندية.

وحسب المصادر، لعبت أفضل معاهد البحوث الصينية أدواراً رئيسية في تطوير بدائل محلية الصنع.

وقال أحد المصادر إن معهد تشانجتشون للبصريات والميكانيكا الدقيقة والفيزياء التابع للأكاديمية الصينية للعلوم (CIOMP) حقق إنجازاً في دمج الأشعة فوق البنفسجية الشديدة في النظام البصري للنموذج الأولي، مما مكنه من أن يصبح جاهزاً للعمل في أوائل عام 2025، على الرغم من أن البصريات لا تزال بحاجة إلى تحسين كبير.

ويُقال إن النموذج الأولي الصيني نجح في توليد ضوء فوق بنفسجي شديد، لكنه لم ينتج رقائق عاملة بعد.

 

"لين نان" الرئيس السابق لتكنولوجيا مصادر الضوء في شركة ASML، تم استقطابه لصالح مشروع النموذج الصيني الأولي لآلة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV)
“لين نان” الرئيس السابق لتكنولوجيا مصادر الضوء في شركة ASML، تم استقطابه لصالح مشروع النموذج الصيني الأولي لآلة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV)

المشروع الصيني استقطب مواهب تقنية عملت في ASML

لإتمام هذا المشروع الاستراتيجي السري، اتبعت الصين سياسة مركزة لاستقطاب المواهب التقنية التي عملت سابقاً في شركة ASML، وصنف عملهم تحت بند “الأمن القومي”.

وأكد أحد المصادر أن الموظفين كانوا يعملون بأسماء مستعارة حتى داخل العمل حفاظاً على السرية، كما منحوا هويات مزورة لإخفاء هويتهم، وكانت التوجيهات مشددة بعدم إطلاع أي شخص خارج المجمع على وجودهم فيه أو أي معلومات عن طبيعة عملهم.

وحسب المعلومات المتوفرة، يضم الفريق مهندسين وعلماء سابقين من شركة ASML، تقاعدوا مؤخراً وهم من أصول صينية ويمتلكون معرفة تقنية حساسة.

وقال شخصان آخران مطلعان على جهود التوظيف الصينية إن بعض المواطنين المجنسين من دول أخرى مُنحوا جوازات سفر صينية وسُمح لهم بالاحتفاظ بجنسية مزدوجة، علماً أن بكين تحظر رسمياً ازدواج الجنسية.

ووفقاً لمراجعة لوثائق السياسة الحكومية، كان توظيفهم جزءً من حملة أطلقتها الصين في عام 2019 لخبراء أشباه الموصلات العاملين في الخارج، حيث قدمت مكافآت توقيع تبدأ من 3 ملايين إلى 5 ملايين يوان (420 ألف دولار إلى 700 ألف دولار) وإعانات لشراء المنازل.

وكان من بين الخبراء المستهدفين “لين نان” الرئيس السابق لتكنولوجيا مصادر الضوء في شركة ASML، والذي قدم فريقه في معهد شنجهاي للبصريات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم ثماني براءات اختراع لمصادر ضوء الأشعة فوق البنفسجية القصوى في 18 شهراً، وفقاً لملفات براءات الاختراع.

من جهة ثانية، قال معهد تشانجتشون التابع لمركز CIOMP، في دعوة توظيف عبر الإنترنت في مارس الماضي على موقعها الإلكتروني، إنه يقدم رواتب “غير محدودة” لباحثي الطباعة الحجرية الحاصلين على درجة الدكتوراه ومنح بحثية تصل قيمتها إلى 4 ملايين يوان (560 ألف دولار) بالإضافة إلى مليون يوان (140 ألف دولار) كإعانات شخصية.

في موازاة ذلك تلعب شركة هواوي دوراً محورياً في تنسيق شبكة واسعة تضم آلاف المهندسين من شركات ومعاهد بحثية حكومية في المشروع الذي وصفه البعض بأنه “مشروع مانهاتن الصيني”، بهدف تصنيع رقائق متطورة على آلات محلية بالكامل وإقصاء الولايات المتحدة من سلاسل التوريد العالمية.

ووفقاً للمصادر، يركز فريق مكون من نحو 100 خريج جامعي حديث على الهندسة العكسية لمكونات آلات الطباعة الحجرية EUV وDUV، حيث يتم تصوير مكاتبهم بكاميرات فردية لتوثيق جهودهم في تفكيك وإعادة تجميع الأجزاء، ويحصل الناجحون في إعادة تركيب المكونات على مكافآت.

وتشارك هواوي في كل خطوة من سلسلة التوريد بدءً من تصميم الرقائق ومعدات التصنيع وحتى التكامل النهائي في الهواتف الذكية، فيما يُقال إن الرئيس التنفيذي “رن تشنجفي” أطلع كبار القادة الصينيين على التطورات.

ولفتت التقارير إلى أن موظفي هواوي المنتدبين لهذه المهام غالباً ما ينامون في مواقع العمل ويُمنعون من العودة إلى منازلهم خلال أيام العمل، مع فرض قيود صارمة على استخدام الهواتف، كما يتم عزل الفرق عن بعضها البعض لضمان سرية المشروع، بحيث لا يعرف أي فريق ما تعمل عليه الفرق الأخرى.

الصين تكسر الاحتكار وتقترب من الاكتفاء الذاتي بأشباه الموصلات عبر نموذج أولي لآلة الطباعة EUV

خطوات ضمن استراتيجية وطنية

يمثل تطوير النموذج الأولي لآلة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV) في شنتشن تتويجاً لمبادرة استراتيجية حكومية صينية استمرت ست سنوات لتحقيق الاكتفاء الذاتي في صناعة أشباه الموصلات بقيادة الرئيس الصيني شي جين بينج.

ورغم أن أهداف الصين في هذا المجال معلنة، إلا أن المشروع نُفذ بسرية تامة بإشراف دينج شيويه شيانج، أحد المقربين من القيادة الصينية، ضمن إطار اللجنة المركزية للعلوم والتكنولوجيا.

وفي حين يقول أحد المصادر أن الحكومة الصينية وضعت هدفاً يتمثل في إنتاج رقائق عاملة على النموذج الأولي بحلول عام 2028، يقول مقربون من المشروع إن الهدف الأكثر واقعية هو عام 2030، وهو ما يزال قبل سنوات من العقد الذي اعتقد المحللون أنه سيستغرقه الأمر حتى تتمكن الصين من منافسة الغرب في مجال الرقائق الإلكترونية.

المصادر
رويترز 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى