
لكل ابتكار تقني وجهان، فهو إما أن يستخدم كأداة لتعزيز جودة الحياة اليومية وتوسيع آفاق التواصل والعمل والإبداع، أو كوسيلة للأذى وإيقاع الضرر الذي قد تتجاوز آثاره كل الحدود والتوقعات.
ومن هذه الابتكارات تبرز النظارات الذكية التي تجمع بين الكاميرا والاتصال والذكاء الاصطناعي، وتسوّق على أنها أدوات للراحة والإنتاجية، فهي تتيح التقاط اللحظات بسرعة، وكذلك الوصول للمعلومات دون استخدام اليدين، إلا أن قدرتها على التصوير الخفي تثير مخاوف حقيقية.
وهناك أنواع عديدة للنظارات الذكية، فمنها ما يأتي بتصميم كلاسيكي عادي خفيف الوزن، شمسي أو طبي أو رياضي للاستخدام اليومي في الوقت الفعلي مدعوماً بتقنيات الذكاء الاصطناعي وعمر بطارية طويل على غرار ما تقدمه شركة ميتا.
ومنها ما يستخدم في الواقع الافتراضي لتشغيل التطبيقات التعليمية، الصناعية، الطبية، والترفيهية وغيرها، مثل إكس ريل، أمازون، جوجل، فوزيكس، سامسونج، علي بابا وغيرها.
ومع تزايد انتشار هذه التقنية في الاستخدام اليومي، وغياب تشريعات واضحة في العديد من الدول العربية تنظم استخدامها، يصبح الوعي الفردي هو خط الدفاع الأول، لذلك لا بد من فهم آلية عمل هذه النظارات، وأوجه الاختلاف عن النظارات التقليدية المعتادة، كخطوة أساسية لحماية الخصوصية.

ماهي النظارات الذكية؟
النظارات الذكية هي أجهزة إلكترونية قابلة للارتداء تأتي على شكل نظارات عادية، لكنها تحتوي على مكوّنات مدمجة تجعلها قادرة على تصوير كل ما يقع ضمن مجال رؤية المستخدم، وتسجيل كل ما يسمعه، مع تقنيات محسنة تقلل الضوضاء، وإمكانية الاتصال بالإنترنت ومعالجة المعلومات بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وهذا يعني أنها تضم:
- كاميرا صغيرة مدمجة في إطار النظارة.
- ميكروفونات دقيقة لتسجيل الصوت أو التفاعل مع المساعد الصوتي المزودة به.
- اتصال بالإنترنت أو البلوتوث لرفع المحتوى أو بثه مباشرة.
- ذاكرة تخزين لحفظ التسجيلات.
- معالج صغير لتشغيل التطبيقات أو الأوامر الصوتية.
- شاشات صغيرة داخل العدسات في بعض الطرازات لعرض معلومات أمام العين.
- بطارية مدمجة داخل الإطار.

ما الفرق بين النظارات العادية والنظارات الذكية؟
تكمن خطورة النظارات الذكية في أن شكلها قد يبدو طبيعياً جداً، فهي مصممة لتبدو مألوفة وشبيهة تماماً بالنظارات اليومية لكن قدراتها تتجاوز الرؤية العادية.
فهذا الجهاز يمكن تشغيله بلمسة خفيفة أو أمر صوتي، لالتقاط الصور وتسجيل الصوت أو الفيديو، مدعوماً بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يزيد من صعوبة التمييز بين الاستخدام التقليدي للنظارة وبين عملية تسجيل خفية.
واليوم تتسابق الشركات المنتجة على تطوير تقنيات تمكنها من إخفاء الكاميرات والميكروفونات داخل الإطار بدقة، بحيث لا تظهر أي مؤشرات واضحة على استخدامها.
كما أن بعض الطرازات لا تُصدر أي ضوء عند بدء التسجيل، ولا تُحدث صوتاً يمكن ملاحظته، ما يصعب اكتشافها.

مؤشرات استخدام النظارات الذكية
رغم صعوبة اكتشافها، هناك مجموعة من المؤشرات التي تدعم الشك باستخدام النظارات الذكية للتسجيل دون إذن صريح ومسبق.
وتعتمد هذه المؤشرات على الشكل والتصميم، الأضواء والأصوات، سلوك المستخدم.
- عدسة صغيرة في الإطار: تأتي على شكل نقطة سوداء أو لامعة في زاوية إطار النظارة، أو فتحة دقيقة تشبه ثقب الإبرة، كما يمكن كشفها من انعكاس ضوء خفيف عند النظر مباشرة إلى عدستها.
- سماكة الإطار: تأتي النظارات الذكية بإطار أعرض من النظارات التقليدية، مع وجود انتفاخ بسيط يخفي البطارية أو الكاميرا.
- أضواء صغيرة: قد يظهر وميض خفيف متقطع غالباً هو علامة تشغيل أو اتصال بلوتوث، أو ضوء LED صغير في مقدمة الإطار، لكن بعض الأنواع تسمح بإطفاء هذا الضوء بالكامل.
- صوت خفيف: قد يصدر عن الجهاز صوت خفيف بعد نقرة صغيرة لبدء التسجيل.
- سلوك المستخدم: يمكن اكتشاف الفعل إذا انتبهتَ إلى توجيه النظارة نحوك لفترة تتجاوز النظرة العابرة، أو إذا لاحظت أنه يلمس جانب الإطار بشكل متكرر (فهذه علامة على زر تشغيل مخفي)، أو يثبت رأسه في اتجاه واحد كأنه يلتقط فيديو، أو يتحدث مع النظارة دون وجود مكالمة واضحة.
كما يُستدل عليها من ملاحظة حركة يد متكررة قرب الأذن لتفعيل المساعد الصوتي.

كيف تتصرف عند الشك باستخدام النظارات الذكية ضدك؟
عندما ينتابك الشك أن شخصاً ما حولك يستخدم نظارته الذكية للتسجيل أو التصوير دون موافقتك أو إذنك، ينصح باتباع بعض الخطوات، مع ضرورة التزام الهدوء لمنع سوء الفهم، وعدم التصعيد قبل التأكد، لأن التوتر قد يفسد الموقف أو يخلق صداماً غير ضروري، بينما يعطيك الهدوء قوة أكبر ويجعل الطرف الآخر يتراجع غالباً.
- ابدأ بالملاحظة الهادئة، ولا تُبدِ رد فعل إلا بعد أن تتأكد من أن الشخص الذي يرتديها يوجه النظارة نحوك فعلاً، ويكرر لمس الإطار، كما يمكنك التأكد من وجود ضوء صغير أو صوت خافت.
- استخدم أسلوباً مهذباً وواضحاً في توجيه هذا السؤال المباشر: “هذه نظارة ذكية؟ هل تقوم بالتسجيل الآن؟”
فهذا السؤال وحده قد يجبر معظم الأشخاص على التوقف فوراً عن التسجيل.
- غيّر موقعك أو زاوية جلوسك كحل أولي وبسيط، بحيث تبتعد عن مجال الرؤية المباشر للنظارات الذكية، واجلس في مكان آخر يصعب على النظارة التقاطه بسهولة.
- إذا كنت في مكان عام أو مغلق، مثل مقهى أو مؤسسة أو فعالية أو مكان عمل، لديك الحق الكامل في طلب إيقاف التصوير بوضوح، بالقول:
“من فضلك، لا أسمح بالتصوير هنا”.
واطلب مساعدة المسؤولين لتخفيف عبء المواجهة المباشرة، كما يمكنك إبلاغ الإدارة أو الأمن.
- وثق الموقف إذا شعرت بتهديد حقيقي لتقديم شكوى لاحقاً، كأن تدون مكان وزمان الحادث، ووصفاً للنظارة وسلوك مستخدمها.
- الجأ إلى الجهات القانونية المختصة في بلدك في حال ثبت سوء النية، أو وقوع ضرر أو انتهاك واضح للخصوصية، واستغلال التسجيلات ونشرها دون إذن.

تبعات انتهاك الخصوصية بالنظارات الذكية في الدول العربية
تطبق الدول العربية قوانين عامة لحماية الخصوصية ومنع التصوير دون إذن، لكن معظمها لا يمتلك تشريعات خاصة بأحدث التقنيات المنتشرة في الأجهزة القابلة للارتداء، ومنها النظارات الذكية.
وتجرم هذه القوانين في أغلب الدول العربية التصوير دون أخذ موافقة، وتفرض عقوبات متنوعة كالغرامات المالية، السجن، مصادرة الجهاز المستخدم.
ففي السعودية يفرض نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية عقوبات على نشر أو تصوير أي محتوى يمسّ الحياة الخاصة.
وفي الإمارات العربية المتحدة، هناك قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية يجرّم تصوير الآخرين دون إذن حتى في الأماكن العامة إذا كان فيه انتهاك للخصوصية.
كذلك يوجد في مصر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الذي يجرّم تسجيل أو تصوير شخص دون موافقته، وقوانين مشابهة في الأردن وقطر والكويت.
لكن معظم هذه القوانين لم تُحدّث بعد لتشمل الأجهزة القابلة للارتداء بشكل صريح، مما يترك هامشاً تقديرياً في التطبيق، على عكس الدول الغربية التي واكبت سرعة تطور التقنيات والأجهزة الذكية بتشريعات محدثة.
ففي الاتحاد الأوروبي هناك قانون حماية البيانات الأوروبي (GDPR)، وهو يُعدّ من القوانين الأكثر قوة عالمياً، حيث يمنع تسجيل أو تخزين أو مشاركة أي بيانات شخصية دون موافقة واضحة، ويشمل ذلك الصور والفيديو والصوت.
وهو يفرض غرامات ضخمة على الشركات والأفراد، وفي بعض الدول الأوروبية يمنع استخدام النظارات الذكية في المدارس والمستشفيات والمكاتب الحكومية والمحاكم وغيرها.
كما تلزم بعض القوانين الشركات المصنعة بوضع مؤشر LED صغير يضيء عند التقاط صورة أو تسجيل فيديو لصمان علم الأشخاص المستهدفين أو الموجودين ضمن المشهد.
كذلك هناك مبادئ عامة في الولايات المتحدة، وتختلف القوانين من ولاية لأخرى، فبعض الولايات تشترط موافقة الطرفين لتسجيل الصوت، أما تصوير الفيديو في الأماكن العامة فهو غالباً مسموح، ما لم يكن فيه انتهاك للخصوصية.
ونتيجة الاعتراضات التي واجهتها شركات مثل جوجل وميتا عند إطلاق النظارات الذكية، فرضت قيود على الاستخدام في بعض الأماكن.
وينطبق الأمر على كندا وأستراليا، فهناك قوانين واضحة تمنع التسجيل دون إذن في الأماكن الخاصة، وبعض المؤسسات تحظر دخول النظارات الذكية إلى مقراتها.
وبذلك تتضح ضرورة تعريف قانوني صريح للأجهزة القابلة للارتداء والجرائم المرتبطة بها، وتنظيم دخول هذه الأجهزة إلى الأماكن العامة، والتوعية المجتمعية حول هذه التقنيات وجوانب استخدامها.
ويصب ذلك في إطار حماية الأفراد وخلق بيئة تقنية آمنة تشجع الابتكار ومواكبة التطور، دون المساس بالحقوق والحريات العامة، فالحق في الخصوصية قيمة لا يمكن التفريط بها، مهما تقدمت التقنيات أو تغيّرت الأدوات.
المصادر
Tom’s Guide
CNET
PCMag
تقرير حول European Data Protection Supervisor (EDPS)



