التحول الرقمي في رؤية السعودية 2030: كيف أعادت المملكة هندسة المستقبل؟
من رقمنة الخدمات إلى سيادة الذكاء الاصطناعي

منذ إطلاق رؤية السعودية 2030 في عام 2016، دخلت المملكة العربية السعودية مرحلة جديدة من التحول الرقمي عبر إعادة هندسة المستقبل، لتحويله إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي، وركيزة أساسية في بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والتقنية والابتكار.
ومع صدور التقرير السنوي لرؤية 2030 لعام 2025، تكشفت ملامح عقد كامل من التحول الوطني، الذي انعكس على تمكين الإنسان، وتنويع فعلي للاقتصاد، وتعزيز المكانة الدولية للمملكة.
وتُظهر البيانات الواردة في التقرير قفزات نوعية في مسار التحول الرقمي، تؤكد نجاح المملكة في بناء بيئة رقمية متكاملة تضعها ضمن الدول الأكثر تقدماً في العالم.
فقد وصلت مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى 15% من الناتج المحلي الإجمالي، مع ارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية إلى 55%، وسجل الناتج المحلي الإجمالي للبلاد نمواً بنسبة 4.5%.
يعرض هذا المقال مؤشرات متنوعة حول أبرز 7 مجالات نشطة للابتكار والتحول الرقمي في المملكة العربية السعودية.
بنية تحتية رقمية تقود المستقبل
اعتمدت المملكة في مشاريعها ومنجزاتها على بنية تحتية رقمية متقدمة، شهدت توسعاً مستمراً مكّنها من تحقيق مراكز متقدمة عالمياً، فحققت المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر جاهزية الاتصالات الرقمية لعام 2025 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات.
ووفقا للتقرير السنوي، ارتفعت تغطية شبكات النطاق العريض اللاسلكية في المناطق النائية إلى 63%، فيما وصلت تغطية الألياف الضوئية للمنازل إلى 47%، وارتفعت نسبة انتشار الألياف الضوئية لتصل إلى 4.2 مليون مسكن متصل بحلول 2025.
كما نما الاستخدام الحكومي للطيف الترددي بنسبة 6% مقارنة بالعام السابق، وبلغت تغطية شبكات الجيل الخامس 86%، ما أسهم في توفير سرعات اتصال عالية عززت جودة الخدمات الرقمية.

اقتصاد رقمي يرسّخ التنويع ويعزز النمو
التطور في البنية الرقمية انعكس مباشرة على الاقتصاد، حيث أسهمت البنية الرقمية المتقدمة في تعزيز النمو الاقتصادي ودعم ازدهار الاقتصاد الرقمي وتمكين الشركات التقنية الناشئة، مما رسخ مكانة المملكة كقوة تقنية صاعدة.
وبلغ حجم سوق الاتصالات والتقنية 199 مليار ريال.
ونما حجم الشركات التقنية الناشئة، بفضل أكثر من 500 برنامج ومبادرة لدعم الابتكار والشركات الناشئة.
وارتفع عدد الشركات التقنية المدرجة في السوق المالية إلى 25 شركة.
الثقة في المدفوعات الرقمية
أظهر التقرير أن %79 من عمليات الدفع في السعودية أصبحت تتم عبر وسائل غير نقدية مثل البطاقات البنكية، والمحافظ الإلكترونية، والتحويلات البنكية، وغيرها.
وهذا يعني أن ما يقارب أربعة من كل خمسة معاملات مالية في السعودية تتم اليوم عبر وسائل غير نقدية.
ويعكس ذلك توسّع استخدام التقنية في الحياة اليومية، وتراجع الاعتماد على الدفع النقدي، مع نضج البنية التحتية للمدفوعات الرقمية وتنامي الثقة، مما يسهم في تعزيز الشفافية وسرعة العمليات ورفع كفاءة الاقتصاد.
وبلغ حجم مبيعات قطاع التجزئة عبر المدفوعات الإلكترونية 100.43 مليار ريال.
حكومة بلا ورق لكفاءة الخدمات
امتد التحول الرقمي ليشمل تطوير الأداء الحكومي، عبر تبني نهج “حكومة بلا ورق” الذي أسهم في تبسيط الخدمات وتسريعها وتسهيل الوصول إليها.
ولتحقيق هذا المستوى من التكامل، عملت المملكة على تبسيط الإجراءات وتوحيد المنصات.
ووصلت نسبة التحول الرقمي الحكومي إلى 87.14%، وترجمت هذه النسبة إلى ثقة لافتة في الأداء الحكومي بلغت 87%.
وتعاملت الجهات الحكومية مع 327 منصة حكومية رقمية بالدمج والإغلاق ليصبح عدد المنصات العاملة 490 منصة.
وأتاحت أكثر من 1300 خدمة عبر تطبيق “توكلنا” التي تربط أكثر من 35 جهة حكومية ضمن منظومة رقمية موحدة، وزاد رضا المستخدمين إلى 87%.
كما أطلقت هيئة الحكومة الرقمية في عام 2022 برنامج “الحكومة الشاملة”، بهدف تسريع التحول الرقمي وتقديم تجربة رقمية متكاملة للمستفيدين، وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية ورفع كفاءة استخدام الموارد.
وقفزت المملكة إلى المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية، والرابعة عالمياً في مؤشر الخدمات الرقمية.
وحلت في المرتبة السادسة عالمياً في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية، والسابعة عالمياً في مؤشر المشاركة الإلكترونية بعد أن كانت في المرتبة 39.

الذكاء الاصطناعي في السعودية
برزت المملكة كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي، مستفيدة من الإمكانات المتوفرة لديها لتطوير حلول وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويأتي إطلاق شركة “هيومين” كأحد أبرز الأمثلة على هذا التوجه، حيث قدمت أول مساعد ذكاء اصطناعي عربي هيومين شات “Humain Chat”.
كما لفت أول نظام تشغيل يعمل بالذكاء الاصطناعي بالكامل “Humain One”، والذي يعمل على جهاز “Humain Horizon Pro” المطوّر محلياً.
كذلك تدير الشركة مركز بيانات يخدم أكثر من 150 دولة، وتعمل في خمسة أسواق عالمية.
وعلى صعيد المؤشرات الدولية، حققت المملكة حضوراً لافتاً، إذ جاءت في المرتبة 11 عالمياً في مؤشر سلامة الذكاء الاصطناعي.
كما جاءت في المرتبة الخامسة عالمياً في جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي، والرابعة عالمياً في عدد نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة.
وحلت بالمرتبة الأولى إقليمياً في تمكين المرأة في مجال الذكاء الاصطناعي وفقاً لمؤشر ستانفورد، والثانية ضمن دول مجموعة العشرين في عدد وظائف الذكاء الاصطناعي.
توطين صناعة الأمن السيبراني
وفي مجال الأمن السيبراني، عززت المملكة مكانتها العالمية بحصولها على المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني لعام 2023.
وشهد هذا القطاع نمواً كبيراً في الشركات الناشئة، حيث بلغت قيمة الاستثمارات في الشركات السيبرانية أكثر من 60 مليون ريال.
وقُدمت حوافز مالية تجاوزت 10 ملايين ريال لدعم الابتكار وريادة الأعمال.
وارتفع عدد الشركات الناشئة والمشاريع الواعدة إلى أكثر من 40 شركة، فيما تجاوزت نسبة نمو الشركات الناشئة في مسرعة الأمن السيبراني 200%.
وارتفع عدد المختصين في الأمن السيبراني إلى أكثر من 21.3 ألف مختص.

اقتصاد بيانات الرصد الفضائي
امتد التحول ليشمل قطاع الفضاء، حيث أسهم تأسيس وكالة الفضاء السعودية في وضع مسار واعد يجمع بين الابتكار والعلوم وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية.
وتعمل المملكة على تمكين الموهوبين والعلماء السعوديين عبر برامج مثل “سامي” و”الفضاء والعلوم”.
كما أطلقت مجموعة “Neo” منصة الرصد الفضائي للأرض (EO)، وهي أول سوق مخصص لبيانات الرصد الفضائي في المملكة، وتخدم قطاعات البيئة والطاقة والتعدين والزراعة.
وحقق رواد الفضاء السعوديون إنجازات بارزة خلال مهمة “السعودية نحو الفضاء”، من بينها تنفيذ تجارب في بيئة الجاذبية الصفرية وصناعة مادة أنسجة لإصلاح الغضاريف في الفضاء لأول مرة، إضافة إلى إسهامات في أبحاث زراعة الأعضاء وعلاج المفاصل.
وفي مجال الأقمار الصناعية، طورت المملكة أول قمر صناعي سعودي مخصص لدراسة الفضاء بالشراكة مع وكالة ناسا ضمن مهمة “أرتيمس 2”.
كما أطلقت قمرين صناعيين ضمن مبادرة “ساري”، بمشاركة أكثر من 2,200 طالب وطالبة من 42 جامعة سعودية.
بهذا المشهد المتكامل، يتضح أن ما حققته المملكة خلال السنوات الماضية هو أكثر من مجرد تحديثات تقنية ومواكبة قسرية للتطور.
هو إعادة صياغة شاملة لمفهوم الدولة الحديثة وصناعة المستقبل وفق أسس متينة لبناء اقتصاد رقمي مزدهر جوهره الإنسان، وتحسين جودة الحياة.




