“لا مراقبة جماعية ولا أسلحة ذاتية التشغيل”: شعار باهظ الثمن تدفعه أنثروبيك
البنتاجون يدرج شركة أنثروبيك على القائمة السوداء ويتعاقد مع أوبن إيه آي

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة أن الحكومة الأمريكية ستدرج شركة أنثروبيك على القائمة السوداء، وذلك في أعقاب خلاف علني ومفاوضات شاقة لإجبار رئيس الشركة “داريو أمودي” على رفع القيود عن استخدام نموذج الذكاء الاصطناعي Claude للأغراض العسكرية، ورفضه ذلك رغم تهديد البنتاجون بتصنيف شركته كـ “خطر على سلسلة التوريد”.
وكتب ترامب على موقع Truth Social: “أوجه كل وكالة فيدرالية في حكومة الولايات المتحدة إلى التوقف فوراً عن استخدام تكنولوجيا شركة أنثروبيك”.
وأضاف: “لقد ارتكب المتطرفون اليساريون في شركة أنثروبيك خطأً كارثياً بمحاولتهم الضغط على وزارة الحرب، وإجبارها على الامتثال لشروط الخدمة الخاصة بهم بدلاً من دستورنا”.
جاء إعلان ترامب بعد يوم واحد من رفض الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، ما وصفه البنتاجون بأنه “أفضل عرض نهائي”، مصرحاً: “بضمير مرتاح لا يمكننا الموافقة على طلبهم”.
خلفيات الحدث
وكانت الشركة الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي انخرطت في مفاوضات متوترة مع البنتاجون خلال الأسابيع الأخيرة على خلفية الكشف عن استخدام البنتاجون لنموذج Claude في عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته بالعاصمة كراكاس يناير الماضي، واستخدام محتمل في الحرب التي تلوح بها واشنطن ضد إيران ودول أخرى.
وعلى مدى أيام من المفاوضات بين الجانبين، طالب البنتاجون أنثروبيك بالموافقة على الاستخدام العسكري غير المقيّد للتكنولوجيا التابعة لها، وحاول إلزامها بالتهديد باحتمال وقف التعاون معها وإلغاء العقد البالغة قيمته 200 مليون دولار، لكن الشركة رفضت التخلي عن قيودها على استخدام النموذج، وأصرت على وجود ضمانات بعدم استخدام نماذجها في أسلحة ذاتية التشغيل بالكامل أو في عمليات مراقبة داخلية واسعة النطاق للأميركيين.
وعند عدم انصياع الشركة لأوامره، هدد وزير الدفاع بيت هيغسيث بتصنيف أنثروبيك على أنها “تشكل خطراً على سلسلة التوريد” وهو تصنيف يخصص عادة للشركات من بلدان معادية.
ولإجبارها على الامتثال، هدد هيغسيث بتفعيل “قانون الإنتاج الدفاعي”، وهو قانون يعود إلى حقبة الحرب الباردة واستخدم آخر مرة أثناء فترة جائحة كوفيد، ويمنح الحكومة الفدرالية صلاحيات واسعة لإجبار القطاع الخاص على تخصيص موارده وقدراته الإنتاجية لخدمة احتياجات الأمن القومي وفق أولوياتها.
وأعطاها مهلة حتى الساعة الخامسة من يوم الجمعة (22:00 بتوقيت غرينتش) للموافقة على مطالبه، ورغم ذلك بقيت الشركة متمسكة بمبدئها، وأعلن رئيس الشركة “داريو أمودي” رفضه لطلب البنتاجون قبل انتهاء المهلة بساعات.
وفي الكواليس، قال مصدر مطلع لموقع أكسيوس إن وكيل البنتاجون إميل مايكل كان يتحدث عبر الهاتف عارضاً صفقة على شركة أنثروبيك في نفس الوقت الذي غرد فيه وزير الحرب بيت هيغسيث بأن الشركة ستصنف على أنها تشكل خطراً على سلسلة التوريد.
وكانت تلك الصفقة ستطلب السماح بجمع أو تحليل البيانات المتعلقة بالأمريكيين، بدءاً من تحديد الموقع الجغرافي ووصولاً إلى بيانات تصفح الإنترنت والمعلومات المالية الشخصية التي يتم شراؤها من وسطاء البيانات.
موقف أنثروبيك من تهديدات البنتاجون
قبل انتهاء المهلة التي أعطاها وزير الحرب الأمريكي، كتب الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك “داريو أمودي” في بيان يوم الجمعة على مدونته: إن “هذه التهديدات لا تغيّر موقفنا: لا يمكننا بملء ضميرنا أن نستجيب لطلبهم”.
وعلى الفور رد عليه مسؤول البنتاجون المفاوض إميل مايكل بوصفه بأنه “كاذب” يعاني من “عقدة إلهية” وأنه “لا يمانع في تعريض سلامة أمتنا للخطر”.
وكان أمودي قد شدد في وقت سابق على أهمية وجود قيود أخلاقية فيما يتعلّق باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، وقال إن “استخدام هذه الأنظمة للرقابة الداخلية الجماعية لا يتوافق مع القيم الديموقراطية”.
وأضاف: “لا يمكن الاعتماد على أبرز أنظمة الذكاء الاصطناعي لتشغيل الأسلحة الفتاكة من دون سيطرة من قبل البشر”، مؤكداً “لن نقدّم عن علم أي منتج يعرّض الجنود والمدنيين الأمريكيين للخطر”.
ولفت أمودي إلى أن تهديدات البنتاجون متناقضة بطبيعتها وقال: “أحدهما يصنفنا على أننا خطر أمني، والآخر يصنف Claude على أنه ضروري للأمن القومي”.
وأضاف: “من حق الوزارة اختيار المتعاقدين الأكثر توافقاً مع رؤيتها”، لكن بالنظر إلى القيمة الكبيرة التي توفرها تقنية أنثروبيك لقواتنا المسلحة، نأمل أن يعيدوا النظر في موقفهم”.
وأفاد أمودي “تدرك أنثروبيك بأن وزارة الحرب، لا الشركات الخاصة، هي التي تتخذ القرارات العسكرية .. لكن في حالات معيّنة، نعتقد أن بإمكان الذكاء الاصطناعي تقويض القيم الديموقراطية، بدلاً من الدفاع عنها”.
وبعد إعلان ترامب الأخير قالت أنثروبيك أنها ستقاضي البنتاجون بشأن تصنيفها كخطر في سلسلة التوريد، وفقاً لوكالة أسوشيتد برس.
مفاوضات موازية
يتكهن مراقبون بأن الجدل تصاعد بعد فرض الشركة لقيود على استخدام Claude فجأة في العمليات التي رأت أنها تخالف سياساتها، ما عطّل على ما يبدو بعض الخطط العسكرية، وهو ما تسبب في رفع البنتاجون الصوت عالياً وتصعيد التهديد وتسريع إجراءات الاستغناء عن Claude وإيجاد البديل بسرعة.
وبالتزامن مع اشتعال الخلاف، اتجهت الأنظار إلى نماذج Gemini من جوجل، وChatGPT من أوبن إيه آي، و Grok من شركة xAI التابعة لإيلون ماسك كنماذج بديلة محتملة، وهي خطوة قيل أنها جزء من خطة تصعيد الضغط التنافسي على “أنثروبيك” لإجبارها على الامتثال.
وأكد البنتاجون أنه تمّت الموافقة على استخدام نموذج Grok في أنظمة سرية للجيش الأمريكي، لكن مصادر استبعدت أن يكون بديلاً مطابقًا تمامًا لنموذج Claude.
ولاحقاً، أعلن ألتمان رسمياً التوصل إلى اتفاق مع البنتاجون لنشر نماذج أوبن إيه آي وذلك عبر حسابه على منصة X.
وذكر أن “حظر المراقبة الجماعية المحلية، ومسؤولية الانسان عن استخدام القوة بما في ذلك أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل هي من أهم مبادئ السلامة التي تتبناها أوبن إيه آي، وقد تم إدراجها في اتفاقيتها مع الوزارة” مؤكداً أنها وافقت على الالتزام بها.
ورغم الخلافات الأخيرة بين الطرفين، دافع سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي عن شركة أنثروبيك.
وقال ألتمان قبل الإعلان عن التوصل إلى اتفاق مع البنتاجون: “شخصياً لا أرى أن البنتاجون يجب أن يهدد باستخدام قانون الإنتاج الدفاعي ضد شركات الذكاء الاصطناعي، فرغم كل الخلافات التي لدي مع أنثروبيك، إلا أنني أثق بهم كشركة بشكل عام، وأعتقد أنهم يهتمون حقاً بمسألة السلامة”.
ماذا سيحدث في الساعات المقبلة؟
في أعقاب التطورات الأخيرة، سيتحرك البنتاجون لإنهاء عقده مع شركة أنثروبيك رسمياً، وسيراقب تنفيذ الشركات للقرارات الجديدة، رغم أن فك الارتباط سيكون “أمراً في غاية الصعوبة” حسب اعتراف أحد المسؤولين في تصريح لموقع أكسيوس، نظراً لكفاءته التي يشيد بها المسؤلون العسكريون الأمريكيون أنفسهم.
وقد يكون الأمر معقداً بالنسبة لشركة برمجيات الذكاء الاصطناعي Palantir، التي تستخدم Claude لتشغيل أعمالها الأكثر حساسية مع الجيش، حيث ستحتاج إلى إبرام صفقة جديدة مع البديل الجديد.
ووفقاً لموقع أكسيوس، ستكون هناك “فترة تهدئة” مدتها ستة أشهر للسماح للبنتاجون وعملائه والوكالات الحكومية الأخرى بإدراج البديل لنموذج Claude
وكانت شركة أنثروبيك التي أسسها موظفون سابقون ي أوبن إيه آي عام 2021 حققت نمواً ملحوظاً خلال الفترة الماضية، وأرست هيمنتها في بعض حالات الاستخدام الرئيسية للذكاء الاصطناعي في المؤسسات.
وخلال الساعات الماضية، حظي أمودي وزملاؤه بإشادة واسعة النطاق لموقفهم المبدئي، والذي شجع مئات الموظفين من جوجل وأوبن إيه آي على توقيع عريضة خلال الـ 24 ساعة الماضية تدعو شركاتهم إلى اتباع موقف أنثروبيك.




