شركات التكنولوجيا العالمية

التكنولوجيا في الحروب.. كيف أصبحت الشركات العالمية جزءاً من منظومات الاحتلال الإسرائيلي؟

ارتفع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي عشرات الأضعاف بعد بدء العدوان على غزة

 

ترتبط عشرات الشركات التكنولوجية العالمية بعقود مباشرة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، تزوّده من خلالها ببنى تحتية رقمية متقدمة وتقنيات عسكرية واستخباراتية تعزز قدرته على مراقبة الفلسطينيين والتحكم في تفاصيل حياتهم، وتسهّل تخطيط وتنفيذ الاعتداءات بحقهم، ضاربة عرض الحائط بالأطر القانونية والأخلاقية الدولية والإنسانية.

واتسع حضور هذه الشركات داخل المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، لا سيما بعد 7 أكتوبر 2023، إذ أصبحت جزءاً أصيلاً من العمليات الميدانية والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، سواء في الحياة العامة أو داخل السجون التي تضم آلاف الأسرى الفلسطينيين.

وبدل أن تكون التكنولوجيا أداة مدنية توسّع آفاق الابتكار وتحسّن جودة حياة البشرية جمعاء، تحوّلت إلى لاعب رئيسي في الحروب والصراعات المسلحة، وركيزة أساسية في استمرار الاعتداءات والانتهاكات، بسبب ما تقدمه هذه الشركات من خدمات حوسبة سحابية ونماذج ذكاء اصطناعي وأنظمة مراقبة وعتاد متطور.

ومع تصاعد حدّة الجرائم والانتهاكات، ووقوف العالم متفرجاً على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقرّه الكنيست الأسبوع الماضي، والذي يعد ضربة غير مسبوقة للقانون الدولي والمبادئ الإنسانية، تبرز الحاجة الملحّة لتحديد الشركات العالمية المتورطة في دعم هذه المنظومة، وفهم طبيعة هذا الدعم وآلياته.

فيما يلي عرض لأبرز هذه الشركات، ومجالات ما تقدمه من تقنيات تسهم في استمرار الانتهاكات.

 

التكنولوجيا في الحروب .. كيف أصبحت الشركات العالمية جزءاً من منظومات الاحتلال الاسرائيلي؟

الخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي في الحرب

أصبحت الحوسبة السحابية ونماذج الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي جزءاً محورياً في إدارة الحرب الحديثة، إذ تُستخدم لتخزين ومعالجة كميات هائلة من بيانات المراقبة والتجسس وتحليل الاتصالات والبيانات الميدانية.

وتشير تقارير عدة إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتمد على نماذج ذكاء اصطناعي تجارية طوّرتها شركات أمريكية لتسريع اختيار الأهداف العسكرية، وتحليل البيانات الضخمة، وإدارة عمليات القصف بدقة وسرعة غير مسبوقتين.

وكانت المرة الأولى التي استخدم فيها الاحتلال الذكاء الاصطناعي بشكل موسّع في مايو 2021، خلال العدوان الذي استمر 11 يوماً على غزة، حيث استُخدمت أنظمة لتوليد وتحديد أولويات الأهداف القاتلة، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين وفق تحقيقات دولية.

ومنذ ذلك الحين، تضاعف اعتماد جيش الاحتلال على هذه التقنيات.

ومن أبرز الأمثلة على هذا التوسع مشروع Nimbus الذي وقعته أمازون وجوجل عام 2021 بقيمة 1.2 مليار دولار، وهو أحد أكبر العقود التقنية في تاريخ الاحتلال.

ويوفر المشروع بنية سحابية متقدمة وأدوات ذكاء اصطناعي لتحليل الصور والاتصالات والبيانات الاستخباراتية، وتشير تقارير إلى أن هذه الأدوات ساهمت في تسريع عمليات الاستهداف الجوي التي أودت بحياة مدنيين.

كما توفر أوبن إيه آي، من خلال شراكاتها التقنية، خدمات ذكاء اصطناعي تُستخدم ضمن منظومة Nimbus، بينما تلعب مايكروسوفت دوراً مركزياً عبر خدمات Azure السحابية التي توسّع استخدامها بشكل كبير بعد 7 أكتوبر.

وتشير بيانات إلى أن استخدام الجيش الإسرائيلي لتقنيات الذكاء الاصطناعي من مايكروسوفت وأوبن إيه آي ارتفع في مارس 2024 إلى نحو 200 ضعف مقارنة بالأسبوع الذي سبق العدوان.

وتكشف تقارير أخرى أن كمية البيانات المخزنة على خوادم مايكروسوفت تضاعفت بين أكتوبر ويوليو 2024 لتتجاوز 13.6 بيتابايت، أي ما يعادل 350 ضعف الذاكرة اللازمة لتخزين جميع كتب مكتبة الكونجرس الأمريكي، وفق وكالة أسوشيتد برس.

كما ارتفع استخدام خوادم الشركة بنحو الثلثين خلال الشهرين الأولين من الحرب، إلى جانب تقديم آلاف الساعات من الدعم التقني للوحدات العسكرية الإسرائيلية، والمشاركة في مشاريع حساسة تشمل وحدات جوية وبرية واستخباراتية.

بالتوازي، تواصل جوجل تعزيز البنية التحتية السحابية للاحتلال عبر Google Cloud وأدوات تحليل البيانات المتقدمة، فيما توفر أوراكل قواعد بيانات حكومية وخدمات سحابية للوزارات الأمنية، وتشارك IBM في مشاريع تحليل بيانات وتعاون تقني مع شركات أمنية إسرائيلية.

وبذلك يتضح أن دور هذه الشركات يتجاوز مجرد تقديم خدمات تقنية، ليصبح جزءاً بنيوياً من منظومة الحرب.

التكنولوجيا في الحروب .. كيف أصبحت الشركات العالمية جزءاً من منظومات الاحتلال الاسرائيلي؟

التجسس على الفلسطينيين

لا تقتصر منظومة التجسس الإسرائيلية على ما تقدمه الشركات المحلية، بل تعتمد في جوهرها على شركات عالمية كبرى، خصوصاً أمريكية، حيث توفر بنى تحتية رقمية وأنظمة مراقبة وتحليل بيانات تُستخدم في تتبع الفلسطينيين.

فشركات مثل Verint Systems الأمريكية الإسرائيلية تلعب دوراً مركزياً في توفير أنظمة مراقبة واتصالات تُستخدم لاعتراض البيانات وتحليلها، بينما تقدم Palantir الأمريكية منصات تحليل استخباراتي متقدمة تساعد جيش الإحتلال على دمج المعلومات الميدانية واتخاذ القرارات بسرعة أكبر.

وتساعد الخدمات السحابية العالمية في تخزين البيانات الضخمة وتشغيل خوارزميات التعرف على الأنماط وتحليل الصور والاتصالات، ما يمنح الاحتلال قدرة أكبر على المراقبة وإدارة قواعد البيانات.

وفي هذا الإطار، يصبح دور الشركات الإسرائيلية تكميلياً مباشراً في الميدان.

فشركتا AnyVision وCorsight AI تطوران أنظمة التعرف على الوجوه المنتشرة في الحواجز العسكرية والمستوطنات ونقاط التفتيش الإسرائيلية، وهي أنظمة تصفها منظمات حقوقية بأنها جزء من “بنية مراقبة شاملة” تستهدف الفلسطينيين وتثير انتقادات دولية واسعة.

كما توفر NSO Group الإسرائيلية المعروفة ببرنامج Pegasus، وأيضاً شركة Cellebrite أدوات اختراق الهواتف واستخراج البيانات، ما يتيح مراقبة الناشطين والصحفيين وتتبع تحركاتهم وجمع معلومات استخباراتية حساسة.

التكنولوجيا في الحروب .. كيف أصبحت الشركات العالمية جزءاً من منظومات الاحتلال الاسرائيلي؟

عتاد عالمي لدعم الشركات الإسرائيلية

تعتمد الصناعات العسكرية الإسرائيلية على عتاد متطور توفره شركات أمريكية كبرى، ويشكّل جزءاً أساسياً من قدراتها القتالية والاستخباراتية.

وتبرز إنتل في هذا المجال، إذ تزود الأنظمة العسكرية الإسرائيلية بمعالجات متقدمة تدخل في تشغيل الطائرات المسيّرة وأنظمة الرادار ومنصات التحكم.

كما توفر إنفيديا معالجات ذكاء اصطناعي عالية الأداء تُستخدم في أنظمة الرؤية الحاسوبية والتحليل الميداني.

وقد عبّر الرئيس التنفيذي للشركة جنسن هوانج مؤخراً عن التزامه العميق تجاه “إسرائيل” قائلاً إنه “ملتزم بنسبة 100%”، وأن الشركة “ستبقى هناك لفترة طويلة جداً”، مبدياً قلقه على “ستة آلاف عائلة” من موظفي الشركة في الكيان.

ولا تخرج إيه إم دي وكوالكوم عن هذا المشهد، إذ توفران معالجات وشرائح تُستخدم في أنظمة عسكرية واتصالية إسرائيلية.

كما تعد سيكسو مزوداً رئيسياً لجيش الاحتلال بمعدات الشبكات والاتصالات، بينما تقدم Dell وHP خوادم وأجهزة تخزين بيانات تعتمد عليها البنية الرقمية للمنظومة العسكرية.

هذا الدعم العالمي يشكل قاعدة أساسية تعتمد عليها شركات إسرائيلية في تطوير أسلحتها، مثل Elbit Systems التي تستخدم خدمات سحابية ومعالجات وذكاءً اصطناعياً لتطوير قدرات طائراتها المسيرة.

كما تعتمد IAI في تشغيل طائراتها المسيّرة وأقمارها الصناعية وراداراتها على تقنيات أمريكية تعزز قدراتها في الاستطلاع.

وتطوّر Rafael منظومات مثل “القبة الحديدية” استناداً إلى معالجات وبرمجيات وخدمات سحابية دولية، بينما تستفيد Check Point من شراكات تقنية عالمية لتأمين البنية الرقمية لجيش الاحتلال الإسرائيلي.

التكنولوجيا في الحروب .. كيف أصبحت الشركات العالمية جزءاً من منظومات الاحتلال الاسرائيلي؟

تجسس على الأسرى في سجون الاحتلال

يمتد الدعم التقني للشركات العالمية إلى مصلحة السجون الإسرائيلية (IPS)، التي باتت تمتلك واحدة من أكثر منظومات المراقبة تطوراً، معتمدة على تقنيات مدعومة ببنى تحتية وأدوات عالمية.

وتشمل هذه المنظومة كاميرات ذكية عالية الدقة، وبرامج لتحليل السلوك، وأنظمة للتعرف الصوتي، إضافة إلى قواعد بيانات بيومترية تشمل بصمات الأصابع والقزحية وغيرها لتتبع الأسرى الفلسطينيين.

وتشير منظمات حقوقية إلى أن هذه التقنيات تُستخدم داخل سجون تشهد انتهاكات واسعة وموثقة، ما يرتب مسؤولية مباشرة على الشركات التي توفر هذه الأدوات.

وترتبط عدة شركات بهذه المنظومة، من بينها Motorola التي تزود السجون بأنظمة اتصالات داخلية، وNICE Systems التي توفر أدوات التجسس والتحليل الصوتي، إضافة إلى شركات كاميرات مثل Hikvision وBosch وCanon.

كما تقدم Elbit Systems الإسرائيلية أنظمة مراقبة محيطية متطورة تعتمد على تقنيات عالمية.

وفي السابق كانت شركة الأمن G4S البريطانية الدنماركية تدير جزءاً من المنظومة الأمنية للسجون قبل انسحابها عام 2014 تحت ضغط حقوقي وشعبي.

التكنولوجيا في الحروب .. كيف أصبحت الشركات العالمية جزءاً من منظومات الاحتلال الاسرائيلي؟

جدل قانوني وأخلاقي

وبذلك يظهر حجم تغلغل التكنولوجيا في الحروب الحديثة، حيث تحولت الشركات العالمية المتعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي إلى لاعب رئيسي في تطوير أدوات تُستخدم ميدانياً، حتى باتت الحرب على غزة بالنسبة لبعضها بمثابة مختبر لاختبار منتجات جديدة وتطويرها.

هذا الواقع يثير موجة واسعة من الانتقادات، إذ تتهم منظمات حقوقية هذه الشركات بالتواطؤ في جرائم الحرب عبر توفير تقنيات تُستخدم في قتل المدنيين، وتعزيز منظومات المراقبة والتجسس، والمساهمة في ترسيخ نظام فصل عنصري، فضلاً عن تحقيق أرباح من الصراعات المسلحة بعيداً عن أي رقابة أو شفافية.

وتفرض هذه التطورات ضرورة إعادة النظر في دور التكنولوجيا، والأطر القانونية الدولية والمحلية التي ما زالت عاجزة عن مواكبة هذا النوع من الانتهاكات أو محاسبة الشركات المتورطة فيها.

كما تبرز الحاجة إلى توسيع حملات المقاطعة، وفرض الشفافية على العقود العسكرية، وسحب الاستثمارات من الشركات المخالفة، ومحاسبة كل جهة توفر أدوات تُستخدم في انتهاكات حقوق الإنسان.
المصادر
Al-Shabaka
AP news
The Guardian
الشرق
الجزيرة
الانتفاضة الإلكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى