الذكاء الاصطناعي

مولِّدات الصور بالذكاء الاصطناعي: التخلِّى عن الكمال للاقتراب من الواقعية

الذكاء الاصطناعي يُقلِّد كاميرتك.. فهل تصدّق ما ترى؟

هل تتذكر الأيام الأولى لتوليد الصور بالذكاء الاصطناعي؟ حين كانت الأصابع الزائدة، والأطراف المطاطية، والتفاصيل الغريبة تفضح أي صورة مُزيَّفة بسهولة.

إن لم تكن تتابع التطوّرات الأخيرة، فربما يفاجئك هذا الخبر: تلك النكتة انتهت، فمُولِّدات الصور باتت أفضل بكثير في صنع صور واقعية، جزئياً عبر حيلة غير متوقعة: “خفض جودة الصورة قليلاً”.

قبل أقل من خمس سنوات، كشفت أوبن إيه آي عن أول نسخة من أداة توليد الصور “دال-إي”، كانت الدقة حينها 256×256 بكسلاً؛ صوراً صغيرة جداً.

وبعد عام، جاءت «دال-إي 2» بقفزة كبيرة إلى 1024×1024 بكسلاً، وبمظهر أقرب إلى الواقع. ومع ذلك، ظلَّت هناك “علامات” تفضح عملية التوليد بالذكاء الاصطناعي.

في تجربة مبكرة، طُلب من الأداة توليد صورة “كلب شيبا إينو يرتدي زيّ رجل إطفاء”، فبدت الصورة مقنعة من النظرة الأولى، لكن التدقيق كشف فراءً ضبابياً، وشعاراً بلا معنى على المعطف، وقلادةً غريبة لا تنتمي للمشهد. كانت تلك العيوب كافية لكشف الخدعة.

ومع صعود “ميدجورني” و”ستايبل ديفيوجن”، وتحسُّن النماذج خلال السنوات اللاحقة، تراجعت الأخطاء وأضافت الأدوات قدرة أفضل على رسم النصوص.

غير أنَّ كثيراً من الصور ظلت تحمل مظهراً يمكن وصفه بالمصقول أكثر من اللازم، مع توهُّج أقرب إلى اللوحات الفنية منه إلى الصور العفوية.. واليوم، تغيَّر هذا الاتجاه نحو واقعية أقل لمعاناً وأكثر إقناعاً.

ai boat 2

إلى أين وصلنا الآن؟

شجَّعت حداثة أوبن إيه آي -مقارنةً بجوجل وميتا مثلا- الشركات الكبرى التي لم تقف مكتوفة الأيدي، ففي النصف الثاني من عام 2025، أطلقت جوجل نموذج صور جديد ضمن تطبيق “جيمناي” باسم “Nano Banana”، وسرعان ما انتشر عندما بدأ المستخدمون بتوليد مجسَّمات واقعية لأنفسهم. الملاحظة اللافتة كانت حفاظ النموذج على الملامح الحقيقية للأشخاص بدقة أعلى من منافسيه.

تكمن المشكلة التقليدية في صور الذكاء الاصطناعي في ميلها إلى “المتوسط المحايد”؛ صورة لطاولة مثلاً تبدو صحيحة، لكنها بلا شخصية،إذ إن ما يمنح الصورة طابعها الحقيقي هو “العيوب”، أو الفوضى البسيطة، والإضاءة غير المثالية، واللمسات غير المصقولة.. وفي الآونة الأخيرة، أصبح ذلك يعني أيضاً تقليد عيوب كاميرات الهواتف الذكية.

فقبل أقل من شهر، حدَّثت جوجل نموذجها إلى “Nano Banana Pro”، واصفةً إيَّاه بالأكثر واقعية، لكن اللافت أنه بات يُحاكي مظهر الصور الملتقطة بالهواتف:

  • تباين محدود
  • منظور معيَّن
  • حدَّة مُبالغ فيها
  • اختيارات تعريض مألوفة.

IMG 1965

هذه السمات، الناتجة عن المستشعرات الصغيرة والمعالجة متعددة الإطارات، أصبحت لغة بصرية تعوَّدنا عليها جميعاً.

لكن جوجل لم تكن وحيدةً في سباق الشركات الكُبرى، حيث قدَّمت “أدوبي فايرفلاي” اتجاهاً آخر تحت اسم “الكثافة البصرية” لتخفيف التوهّج الاصطناعي، لتبدو الصور أقرب لالتقاطٍ احترافي حقيقي.

وفي السياق نفسه، أطلقت “ميتا” اتجاها آخر تحت اسم “الأسلبة” للتحكُّم بدرجة الواقعية، مع تطويع أدوات توليد الفيديو، مثل “سورا 2″  من أوبن إيه آي و”فيو 3” من جوجل لتقليد لقطات كاميرات المراقبة منخفضة الدقة.. وحين يكون المطلوب جودة “كاميرات المراقبة” فقط، يصبح الإقناع أسهل.

 

ماذا بعد؟

ثمَّة أسباب وجيهة للتشكيك في ادعاءات “التحسُّن اللانهائي” للذكاء الاصطناعي؛ فالوكلاء الذكيون ما زالوا يتعثَّرون في مهام بسيطة.. لكن نماذج الصور تقدَّمت فعلاً، والدليل أمام أعيننا.

بهذا الصدد، يقول “بن ساندوفسكي” الشريك المؤسس لتطبيق الكاميرا الشهير “هالايد”:

تقليد الذكاء الاصطناعي لمعالجة صور الهواتف، بما فيها من ابتعاد طفيف عن الواقع، قد يكون التفافاً ذكياً حول “وادي الغرابة”.

لا يحتاج الذكاء الاصطناعي إذن إلى جعل المشهد واقعياً تماماً؛ يكفيه أن يُحاكي “طريقة تسجيلنا للواقع” بعيوبها المألوفة، لتبدو الصورة قابلة للتصديق. وهنا يبرز السؤال:

كيف نثق بأي صورة نراها؟

من جانبه، يرى سام ألتمان أنَّ الصور الحقيقية والمولَّدة ستندمج، وسنتعايش مع ذلك.. ربما يكون محقاً جزئياً، لكن التمييز سيظل مهماً.. لهذا، نحتاج إلى أدوات مساعدة.

 

بيانات اعتماد المحتوى: كيف تُعيد الثقة إلى الصور الرقمية؟

يكتسب معيار “بيانات اعتماد المحتوى – Content Credentials” التابع لمبادرة C2PA زخماً متسارعاً بوصفه إحدى أهم آليات تعزيز المصداقية البصرية في عصر صور الذكاء الاصطناعي.

ففي هواتف “بيكسل 10″، تُرفَق كل صورة بتوقيع تشفيري يوضِّح طريقة إنشائها ومسار تعديلها، ليس بهدف وسم المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي فحسب، بل لتمييز جميع الصور دون استثناء.

هذه المقاربة تقلِّل من خطأ شائع يتمثل في افتراض أن الصورة غير الموسومة “حقيقية بالضرورة”، وتؤكِّد أن غياب الوسم يعني فقط غياب المعلومة، لا إثبات الأصالة.

حيث بدأت خطوات التطبيق بالعفل؛ إذ يدعم تطبيق “صور جوجل” عرض اعتماديات المحتوى، ومن المقرر ظهور هذه البيانات في نتائج البحث والإعلانات عند توافرها.

فيما يبقى التحدي الجوهري في التبني الشامل، ففاعلية المعيار مرهونة بانضمام مصنِّعي العتاد والمنصات الرقمية واعتماد الوسم منذ لحظة الالتقاط.

وإلى أن يتحقق ذلك على نطاق واسع، يبقى التحقق والحذر البصري ضرورة.

 

المصادر:

Theverge

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى