الذكاء الاصطناعيتكنولوجيا المياه

أسطورة عطش الذكاء الاصطناعي: هل يتطلب كل أمر نصي جالون ماء فعلاً؟

هل العلاقة المتطرفة المُتخيلة بين الذكاء الاصطناعي والمياه صحيحة فعلاً؟

في الشهر الماضي، نشرت الصحفية الشهيرة “كارين هاو” سلسلة تغريدات على منصة إكس (تويتر سابقاً) اعترفت فيها بوجود خطأ جوهري في كتابها اللافت “إمبراطورية الذكاء الاصطناعي”.

 

كانت هاو قد كتبت أن مركز بيانات مقترحاً لشركة جوجل في بلدة قرب سانتياجو في تشيلي:

قد يتطلَّب أكثر من ألف ضعف كمية المياه التي يستهلكها كامل السكان.

وهي أرقام تبيَّن لاحقاً -بسبب سوء فهم في الوحدات- أنها خاطئة بفارق يصل إلى ألف مرة.

images

في تلك السلسلة، شكرت الصحفية “آندي ماسلي” رئيس منظمة “إيثار فعَّال” في واشنطن العاصمة، على لفت انتباهها إلى الخطأ.

وقد أمضى ماسلي الأشهر الماضية في التشكيك ببعض الأرقام والخطاب الشائع في وسائل الإعلام حول استهلاك المياه والذكاء الاصطناعي، وذلك عبر نشره مقالات تحليلية على منصة “سابستاك”.

Andy Masley - EA Forum

حملت أبرز هذه المقالات عنواناً استفزازياً:

قضية مياه الذكاء الاصطناعي وهمية!

وقد جرى الربط إليه خلال الأشهر الأخيرة من قبل كُتِّاب ذوي جماهير واسعة، مثل “مات إيغلِسياس” و”نواه سميث”.

كما قالت الصحفية “هاو” في تغريداتها إنها ستعمل مع دار النشر لتصحيح الأخطاء، بينما أفاد مكتبها الإعلامي بأنها تأخذ إجازة حالياً وغير متاحة للتعليق على هذا التقرير.

وعند الحديث إلى “ماسلي” حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمياه، شدَّد على أنه ليس خبيراً، بل “مجرد شخص عادي” على حد تعبيره، ومهتمٌ فقط بكيفية تناول الإعلام لهذا الموضوع، وبالطريقة التي يؤثر بها ذلك على آراء من حوله.

im 87095018

بهذا الصدد يقول ماسلي:

كنت أذكر أحياناً في المناسبات الاجتماعية أنني أستخدم شات جي بي تي، فيردّ الناس:

“هذا يستهلك طاقة ومياهاً هائلة، كيف يمكنك استخدامه؟”.

 

كنتُ مندهشاً قليلاً من هذا التشاؤم الحاد بسبب كمية صغيرة نسبياً من المياه.

ومع تصاعد المعارضة المحلية والوطنية لمراكز البيانات، تتزايد أيضاً المخاوف من آثارها البيئية، ففي وقت سابق من هذا الأسبوع، بعثت أكثر من 230 منظمة بيئية رسالة إلى الكونجرس حذَّرت فيها من أن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات:

يهددان الأمن الاقتصادي والبيئي والمناخي والمائي للأميركيين.

في المقابل، بدأت صناعة الذكاء الاصطناعي بالردّ. ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كتب الرئيسان المشاركان لتحالف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وهو تجمع صناعي جديد، مقال رأي في “فوكس نيوز” تطرقا فيه إلى المخاوف البيئية.. وكتبا:

استخدام المياه؟

ضئيل وغالباً ما يُعاد تدويره.. وأقل من استهلاك ملاعب الغولف في أميركا.

إحدى كاتبي المقال، السيناتورة السابقة عن ولاية أريزونا “كيرستن سينيما”، تدافع حالياً عن مشروع مركز بيانات في الولاية أثار معارضة محلية، من بينها مخاوف تتعلق بالمياه.

صحيح أن جانباً كبيراً من النقاش حول استهلاك المياه ومراكز البيانات يفتقر إلى الدقَّة، فبينما تُعد انبعاثات الكربون مسألة صفرية حيث يجب خفض الغازات الدفيئة إلى أقصى حد ممكن لأن آثار التغيُّر المناخي تطال الجميع، فإن قضية المياه أكثر تعقيداً وتفاوتاً جغرافياً.

فمشروع قد يدمِّر إمدادات المياه في منطقة ما، قد يكون مناسباً تماماً لمنطقة أخرى تملك موارد مائية أوفر أو صناعات أقل استهلاكاً للمياه.

في السياق نفسه، يتفق العديد من الخبراء على أن الفهم العام لكيفية استخدام مراكز البيانات للمياه غالباً ما يكون مشوشاً، وأن الاستهلاك الكلي في كثير من المناطق أقل خطورة مما يتصوره الرأي العام.

لكن مع استمرار توسُّع مراكز البيانات في أنحاء الولايات المتحدة، ومع تراجع الإدارة الأميركية عن بعض الضوابط البيئية لتشجيع التنمية، يصبح من الضروري فهم:

  • كيف تُستخدم المياه فعلياً؟
  • كيف تُحتسب هذه التقديرات الشائعة؟
  • لماذا اختير استخدام المياه لتبريد مراكز البيانات؟

Water Loss News Image 3

كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي المياه؟

ربما صادفت تقديرات تزعم أن كتابة رسالة بريد إلكتروني عبر الذكاء الاصطناعي تستهلك زجاجة كاملة من المياه، لكن الخبراء يؤكدون أن احتساب مثل هذا الرقم أكثر تعقيداً بكثير من ربط متوسط استهلاك مائي بكل طلب.

داخل مركز البيانات، تُستخدم المياه أساساً للتبريد، فالمعالجات تعمل بدرجات حرارة مرتفعة، وتمرير المياه عبرها وسيلة فعالة للحفاظ على حرارتها ضمن الحدود المناسبة.

بعدها تُنقل الحرارة إلى أبراج تبريد يتبخر فيها جزء من المياه. وبما أن المياه المالحة أو قليلة العذوبة قد تُسبب تآكلاً للمعدات، تعتمد شركات كثيرة على مياه صالحة للشرب من الشبكات البلدية، مع الإشارة إلى اتجاه شركات كبرى مثل أمازون وميتا وآبل لاستخدام مياه صرف صحي مُعالجة.

بهذا الصدد، تختلف الكمية المستخدمة باختلاف كل مركز بيانات، فزيادة استخدام المياه تقلل الحاجة إلى أنظمة تبريد كهربائية، بينما يؤدي الاعتماد الأكبر على الكهرباء إلى خفض استهلاك المياه، لكنه يرفع فاتورة الطاقة والانبعاثات الكربونية.

فيما يجدر الإشارة إلى وجود تقنيات تبريد بسوائل خاصة تقلل استهلاك الاثنين معاً، لكنها قد تُدخل مواد كيميائية دائمة إلى البيئة، ما يجعل بعض شركات التقنية الكبرى متحفظة تجاهها، كما تزداد احتياجات التبريد أكثر في فصل الصيف.

من جانبه، يقول البروفيسور “فنغتشي يو” أستاذ هندسة أنظمة الطاقة في جامعة كورنيل:

كل موقع وكل ولاية مختلفة.. كمية المياه اللازمة لنفس مستوى الذكاء الاصطناعي تعتمد على المناخ، والتقنية المستخدمة، ومزيج الطاقة.

لكن ما يزيد الأمر تعقيداً أن بعض الحسابات تشمل أيضاً الاستهلاك غير المباشر للمياه، خصوصاً الاستخدام الناتج عن توليد الكهرباء، لتقدير البصمة المائية الكلية.

وهذه الأرقام غالباً ما تكون أعلى بكثير من الاستهلاك داخل الموقع نفسه، لكنها تعتمد بشدة على المنطقة.

ورغم أن هذا النوع من الحساب شائع في قياس الانبعاثات غير المباشرة (Scope 2)، فإنه أقل شيوعاً عند الحديث عن المياه.

لذا يقول “جوناثان كومي” الباحث في مجال الحوسبة والمشارك في دراسة لمختبر لورنس بيركلي الوطني، إنه بات يميل إلى استبعاد الاستهلاك غير المباشر من حسابات مراكز البيانات، لأننا لا ندرجه عادةً عند تقييم صناعات أخرى.

وبالتالي، فإن الحصول على بيانات دقيقة حول استهلاك مركز بيانات بعينه ليس سهلاً دائماً، إذ تلجأ شركات كثيرة إلى اتفاقيات عدم إفصاح.

ففي عام 2022 مثلاً، خاضت مدينة في ولاية أوريجون معركة قانونية طويلة لمنع صحيفة “ذا أوريجونيان” من نشر أرقام استهلاك المياه لمركز بيانات تابع لجوجل، بدعوى أنها “أسرار تجارية”.. وبعد القضية، بدأت جوجل بالإفصاح عن استهلاك مراكزها للمياه في تقارير الاستدامة السنوية.

إذا كان تعقيد الصورة يجعل قياس استهلاك مركز بيانات واحد أمراً صعباً، فإن عزل أثر مستخدم واحد أو طلب واحد يصبح شبه مستحيل.

ففهم الأثر البيئي لنماذج اللغة الكبرى يعتمد بدرجة كبيرة على شفافية الشركات التي لا تزال محدودة حتى يومنا هذا.

وعندما ذكر “سام ألتمان” الرئيس التنفيذي لأوبن إيه آي، أن «متوسط طلب على شات جي بي تي” يستهلك نحو واحد على خمسة عشر من ملعقة شاي من الماء، فإنه لم يوضح تفاصيل حاسمة، مثل تعريف “المتوسط” أو ما إذا كان الرقم يشمل تدريب النماذج.

AI water feature 1

نحن نستهلك كميات هائلة من المياه دون تفكير

يتمثل أحد محاور طرح “ماسلي” في أن صناعات أخرى تستهلك مياهاً تفوق بكثير ما يستهلكه الذكاء الاصطناعي، وهو طرح صحيح.

فإنتاج شطيرة لحم واحدة يتطلب أكثر من 400 جالون من المياه، وقميص قطني واحد يتطلب أكثر من 700 جالون أيضا.

أما ملاعب الغولف الأميركية البالغ عددها نحو 16 ألفاً، فيمكن لكل منها أن يستهلك بين 100 ألف ومليوني جالون يومياً.

وللمقارنة، تقول جوجل إن أكثر مراكزها “عطشاً” في ولاية آيوا استهلك نحو 2.7 مليون جالون يومياً عام 2024.

وفي ولاية أريزونا وحدها، يوجد أكثر من 370 ملعب غولف، ومن الصعب تجاهل حقيقة أن كميات ضخمة من المياه تُستخدم منذ عقود لريِّ هذه الملاعب في قلب الصحراء، دون ضجيج مماثل.

ومع ذلك، يُحذِّر الخبراء من الاستخفاف بالمخاوف، حيث يقول البروفيسور “فنغتشي يو”:

على المدى القريب، ليست أزمة وطنية، لكنها تعتمد على الموقع.. وفي المناطق التي تعاني أصلاً من شحّ المياه، قد تصبح مراكز البيانات مشكلة حقيقية».

فيما يؤكِّد الباحث “كومي” الرأي ذاته، مُضيفاً:

لا يمكن التهوين من الأمر.. كل حالة يجب تقييمها وفق تصميم المنشأة وسياقها.

من الواضح إذن أن دقة الأرقام الصحفية مسألة أساسية، ومن الواضح أيضاً أن مراكز البيانات ليست بلا أثر في المناطق التي تعاني شحاً مائياً.

وحتى لو كانت أرقام “هاو” مبالغاً فيها، فإن منشأة واحدة تطلب أكثر من كامل استهلاك مدينة من المياه تظل مسألة خطيرة.

من جانبها، علَّقت جوجل المشروع المذكور في تشيلي ثم أوقفته بعد قرار قضائي يطالب بإعادة تقييم أثر التغيُّر المناخي على طبقات المياه الجوفية، حيث تشهد تشيلي عامها الخامس عشر من الجفاف غير المسبوق.

Designer ai 1024x585 1

لماذا تُعد قضية المياه ومراكز البيانات حساسة إلى هذا الحد؟

تصطدم هذه النقاشات بحقيقة غير مريحة، إذ على المجتمع الأميركي إعادة النظر جِذرياً في نظرته إلى المياه.

فالجفاف المتفاقم في الغرب الأميركي، المدفوع بالتغيُّر المناخي، يكشف أن نموذج الاقتصاد القائم على وفرة مائية غير محدودة بات غير مستدام.

في السياق نفسه، أظهر تحقيق لصحيفة “نيويورك تايمز” عام 2023 أن خزانات المياه الجوفية في أنحاء الولايات الأميركية تُستنزف بمعدلات خطيرة.

من جانبه، يرى “كومي” أن الجدل حول الذكاء الاصطناعي والمياه يعكس صراعاً قديماً حول تسعير الموارد العامة للاستخدام الخاص، مُضيفاً:

القواعد والأسعار الحالية وُضعت بناءً على واقع سابق.. والسؤال الجوهري هو: ما قيمة الخدمة المقدَّمة؟

ربما لهذا السبب يثير الذكاء الاصطناعي غضباً أكبر من صناعات أخرى.. فالكثيرون يرفضون من الأساس فكرة أن الذكاء الاصطناعي يستحق ثمنه المائي، ويجري هذا الحكم القيمي الجماعي -بعدل أو دون- في خضم الجدل حول مراكز البيانات.

ومع ذلك، فإن التساؤل عن التكاليف البيئية لتقنية تُقدَّم على أنها حتمية أمر مشروع تماماً.

ومن الضروري أيضاً المطالبة بشفافية أكبر من الشركات التي تعيد تشكيل الاقتصاد.. لكن من الضروري أيضاً التحقق من الأرقام بدقة، في كل خطوة، ومع كل صناعة مختلفة.

 

المصادر:

Wired

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى