التغطيات

قمة الويب 2026 في قطر: دعوات لتعزيز السيادة الرقمية وتحذير من صعود “الإقطاعية الرقمية”

المغرب: طموح لبناء "قطب ثالث" للذكاء الاصطناعي

شهدت قمة الويب العالمية 2026 في قطر نقاشات معمّقة حول مستقبل البيانات والذكاء الاصطناعي، وسط تأكيد عدد من المتحدثين أن السيادة الرقمية أصبحت خط الدفاع الأول للدول في مواجهة التحولات التكنولوجية المتسارعة.

وشدد متحدثون على أن البيانات باتت المورد الأكثر قيمة في القرن الحادي والعشرين، وأن الدول التي تفشل في حماية بياناتها أو التحكم في خوارزمياتها ستجد نفسها في موقع التبعية الرقمية.

المغرب: طموح لبناء “قطب ثالث” للذكاء الاصطناعي

شددت وزيرة الانتقال الرقمي المغربية أمل الفلاح السغروشني على أن السيادة الرقمية لا يمكن تحقيقها بمعزل عن التعاون الدولي، نظراً لحاجة هذا القطاع إلى موارد ضخمة مثل قدرات الحوسبة العالية ومراكز البيانات.

وأضافت السغروشني في مقابلة مع الجزيرة نت على هامش القمة، أن المغرب يمتلك القدرة على التحكم في معطياته الرقمية وفي تطبيقاته، وهو يسعى لإيجاد توازن دقيق بين الشراكة والتعاون مع الدول الأخرى، خصوصا على مستوى القارة الأفريقية والعالم العربي، إضافة إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والصين، بهدف الانفتاح على أحدث التطورات العالمية في هذا الميدان، دون التفريط بالمصالح الوطنية.

وعرضت الوزيرة المغربية مجموعة من البرامج والإجراءات لتعزيز موقع بلادها على الخارطة العالمية للتكنولوجيا، معبرة عن طموح المغرب أن يكون جزءا مما وصفته بـ”القطب الثالث للذكاء الاصطناعي”، إلى جانب الولايات المتحدة والصين، من خلال نموذج بديل قائم على الأخلاقيات والبعد الإنساني.

واكدت أن الرهان الأساسي اليوم يتمثل في تطوير مهارات وطنية متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي، بما يضمن التحكم في مختلف المستويات، سواء على الصعيد البياني أو التطبيقي أو النمذجي.

ولفتت السغروشني إلى مبادرات أطلقها المغرب لبناء القاعدة الوطنية الذكاء الاصطناعي منذ عام 2018، منها تأسيس المعهد المغربي للذكاء الاصطناعي، والتعاون مع اليونسكو في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى منظومة قانونية تم إرساؤها لحماية البيانات والأمن السيبراني.

وأشارت إلى الاستثمار المغربي المكثف في تطوير المهارات الوطنية الشابة لمواكبة التحولات العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، مبينة أن المغرب يستهدف تدريب نحو 100 ألف شخص سنوياً في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، كما يشارك أكثر من 200 ألف شخص في مبادرات لتعزيز الوعي بالاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التكنولوجيا.

كذلك لفتت إلى أن قطاع ترحيل الخدمات يُعد من القطاعات النشيطة جداً في المغرب، حيث تنشط أكثر من 1200 شركة عالمية يعمل فيها مهندسون مغاربة داخل البلاد في مدن مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة وأغادير، لافتة إلى أن صادرات المغرب الرقمية في عام 2024 تجاوزت 24 مليار دولار.

وأكدت السغروشني الحرص على تطوير تطبيقات تراعي مسألة الهوية الثقافية واللغوية في المغرب بالاعتماد على معطيات محلية ومهيكلة.

وكشفت السغروشني عن إنشاء المغرب شبكة من مراكز التميز في مجال الذكاء الاصطناعي تغطي نحو 12 جهة خدمية، حيث يتم تطوير حلول مبتكرة تنطلق من خصوصيات كل منطقة، معلنة عن تنظيم أول “هاكاثون” وطني موجه للمناطق الجبلية والقروية خلال رمضان المقبل، بمشاركة أكثر من 60 فريقاً ميدانياً.

قمة الويب 2026 في قطر: دعوات لتعزيز السيادة الرقمية وتحذير من صعود "الإقطاعية الرقمية"

وزير أوروبي سابق: الرأسمالية ماتت والإقطاعية الرقمية تحكم

من جهته حذّر وزير المالية اليوناني الأسبق والخبير الاقتصادي يانيس فاروفاكيس في تصريح له على هامش القمة من أن العالم يتجه نحو نموذج جديد من الهيمنة سماه “الإقطاع الرقمي”، حيث تتحول الدول إلى “مزارع بيانات” تخدم القوى التكنولوجية الكبرى في واشنطن وبكين حسب وصفه.

وقال أن موازين القوة لم تعد تُقاس فقط بالجغرافيا أو الثروات الطبيعية، والصراع في العصر الرقمي لم يعد يدور حول الحدود أو الموارد التقليدية، بل حول من يملك البيانات، ومن يمتلك القدرة على تحويلها إلى سلطة وثروة، موضحاً أن التسارع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي وضع دولاً عديدة أمام خطر فقدان السيطرة على مستقبلها الرقمي، في مشهد يعكس شكلاً جديداً من الاستعمار، لا يعتمد على الجيوش، بل على الخوارزميات.

السيادة التقنية خط الدفاع الأول

ورأى فاروفاكيس أن السيادة التقنية تمثل خط الدفاع الأول، محذراً من أن الدولة التي تسمح بتصدير بياناتها الخام، أو تُسند تدريب خوارزمياتها إلى شركات أجنبية، تفقد تدريجياً قدرتها على التحكم في مصيرها الرقمي.

ورأى أن احتكار شركات وادي السيليكون لآليات تحويل البيانات يعيد إنتاج استعمار اقتصادي جديد، يشبه في جوهره الاستعمار الذي ساد في القرن التاسع عشر، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.

استغلال شامل للنظام العالمي

وأشار فاروفاكيس إلى أن النزاعات والحروب في مناطق مثل غزة تُستخدم كمختبرات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، تمهيداً لتسويق منتجات رقمية مربحة لبقية العالم، منبهاً إلى أن المجتمعات حول العالم تستنزف ضمن نموذج اقتصادي قائم على استخراج الريع الرقمي، حيث تُحوَّل البيانات والسلوكيات الرقمية إلى مصدر أرباح مركزة في أيدي قلة محدودة.

وحول استخدام منصات التواصل الاجتماعي في التلاعب السياسي وتأجيج الصراعات الدولية، رأى فاروفاكيس أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في ملكية ما يُعرف برأس المال السحابي.

وأضاف أن نماذج الأعمال عندما تبنى على الإعلانات وتعظيم وقت بقاء المستخدم أمام الشاشة، تتعلم الخوارزميات تلقائياً أن إثارة الغضب والانقسام هي الوسيلة الأكثر فاعلية لجذب الانتباه، وهكذا تتحول المنصات الرقمية إلى أدوات لتسميم المجال العام، مضيفاً أن انتشار الغضب والكراهية، ليس خللا عارضاً في النظام، بل نتيجة منطقية لنموذج اقتصادي صُمم لخدمة
مصالح ضيقة.

حلول لمواجهة الاحتكار

وطرح فاروفاكيس مجموعة من الحلول العملية لمواجهة احتكار المعرفة المولدة آلياً، من بينها فرض “قابلية التشغيل البيني” بين المنصات، وتعويض المستخدمين عن البيانات التي ينتجونها، إضافة إلى إعادة النظر جذرياً في قوانين الملكية والشركات العابرة للحدود، مشدداً على أن معركة المستقبل ليست تقنية فقط، بل سياسية واقتصادية بامتياز، معركة حول من يملك الخوارزميات، ومن يحكم العالم الرقمي.

من جهة أخرى حذر الوزير اليوناني السابق من العملات الرقمية، مؤكداً أنها تمثل تهديداً حقيقياً للاستقرار المالي العالمي إذا ظلت خاضعة لسيطرة شركات خاصة ومربوطة بعملات كبرى مثل الدولار أو اليورو.

وأوضح أن العملات الرقمية لا يمكن أن تكون أداة تحرر حقيقية إلا إذا كانت عامة، تصدر عن بنوك مركزية، وتخضع لرقابة ديمقراطيّة، بما يضمن توظيفها لصالح المجتمع لا لمراكمة الأرباح الخاصة.

 

جلسة “نهاية الرأسمالية”: الإنسان في مواجهة الآلة

وكان فاروفاكيس قاد جلسة حوارية مع زميله المؤلف والباحث راميش سرينيفاسان بعنوان “نهاية الرأسمالية وما يأتي بعد”، أوضح خلالها أن العصر التقليدي للرأسمالية انتهى، وما نملكه اليوم هو أجهزة تملك القوة لتغير فكر المستخدمين تماماً، متوقعاً تحول المستخدم إلى “خادم للذكاء الاصطناعي” نظراً لصعوبة انفصاله عنه.

من جهته، اشار سرينيفاسان إلى أن التقنيات الجديدة ساهمت في فصل المستخدمين عن الواقع الذي يعيشونه وجعلهم أكثر وحدة، كما عزلهم عن كوكب الأرض بدرجة كبيرة، إذ لا يدرك العديد من المستخدمين حجم استهلاك الذكاء الاصطناعي للموارد الطبيعية سواء كانت الطاقة أو المعادن النادرة أو حتى المياه، متوقعاً أن الذكاء الاصطناعي سيستهلك الطاقة أكثر من الشعب الهندي بحلول 2034.

قمة الويب 2026 في قطر: دعوات لتعزيز السيادة الرقمية وتحذير من صعود "الإقطاعية الرقمية"

البيانات الحكومية فرصة لدول الخليج

في جلسة نقاش أخرى بعنوان “كيف تتوسع شركات الذكاء الاصطناعي في الخليج”، أكد مشاركون ورواد أعمال أن دول الخليج تمتلك فرصة استراتيجية للتحول إلى مركز إقليمي مؤثر في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، مستفيدة من الاستثمارات الحكومية الضخمة، والبنية التحتية الرقمية المتقدمة، والوعي المتزايد بأهمية السيادة على البيانات.

وناقش المتحدثون كيفية الاستفادة من الأصول السيادية والبيانات الحكومية لبناء “شركات دفاعية رقمية” قادرة على التوسع عالمياً، مؤكدين أن النظام البيئي المتكامل، من شركات ناشئة وبنية تحتية رقمية، يمثل حجر الأساس لهذا التحول.

ولفت المتحدثون إلى أن الاستثمار المبكر في البنية التحتية الرقمية والبحث العلمي منح بعض دول الخليج موقعاً متقدماً في سباق الذكاء الاصطناعي، مؤكدين أن الفرصة الحالية غير مسبوقة.

وشددوا على أن استقلالية الذكاء الاصطناعي في المنطقة تعتمد على ثلاثة عناصر أساسية: بيانات قوية، رأس مال مستدام، ورؤية مجتمعية واضحة.

الذكاء الاصطناعي مسألة سيادية

شدّد فرانسيس بدرازا المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Invisible على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفاً تقنياً، بل أصبح قضية سيادية للدول، وقال: إن السؤال لم يعد “كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟” بل “من يملكه؟ ومن يديره؟ ولصالح من يعمل؟”.

وأشار إلى أن دول الخليج تمتلك فرصة للقفز مباشرة نحو بناء أنظمة ذكاء اصطناعي متكاملة داخل المؤسسات، بدلاً من الاعتماد على حلول جاهزة قد لا تراعي الخصوصية المحلية.

وأوضح أن القيمة الحقيقية تظهر عندما يُعاد تصميم الأنظمة الداخلية بالكامل، سواء في المدارس أو الوزارات أو الشركات، مع دمج عدة نماذج لغوية داخل منصة واحدة لرفع الكفاءة واتخاذ قرارات أسرع.

البيانات نفط القرن الحادي والعشرين

من جهته، أكد نامق الزعبي المؤسس والشريك التنفيذي في Silicon Badia أن البيانات أصبحت المورد الأكثر قيمة في العصر الرقمي، مشبهاً إياها بـ “نفط القرن الحادي والعشرين”.

وقال إن الدول التي لا تستطيع تحويل بياناتها إلى معرفة وقرار ستتحول إلى مجرد مزود بيانات لشركات عالمية.

ودعا الزعبي إلى بناء شراكات متوازنة بين القطاعين العام والخاص تضمن استقلالية القرار التكنولوجي، بحيث تبقى البيانات الوطنية والخوارزميات تحت سيطرة المؤسسات المحلية.

تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة مجتمعية

أما عبد العزيز شيخ الصاغة الشريك الإداري في BECO Capital ، فاعتبر أن التحدي الأكبر لا يكمن في بناء نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة، بل في تحويلها إلى أدوات عملية تحل مشكلات حقيقية وتخدم المجتمع.

وأشار إلى أن الخليج يمتلك مقومات فريدة لبناء شركات دفاعية رقمية قادرة على التعامل مع البيانات الحساسة والأطر التنظيمية المعقدة، وهو ما سيمنح المنطقة مكانة استراتيجية في الاقتصاد الرقمي العالمي.

المصدر
الجزيرة نت

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى