رئيس ويكيميديا: عام 2026 سيشهد تحولاً جذرياً في طريقة البحث عبر الإنترنت
المعرفة المفتوحة التي ينتجها البشر ركيزة أساسية لاغنى عنها في عصر الذكاء الاصطناعي

رأت “ماريانا إسكندر” الرئيس التنفيذي لمؤسسة ويكيميديا، وهي منظمة عالمية غير ربحية تدعم ويكيبيديا ومشاريع المعرفة الحرة، أن مستقبل البحث على الإنترنت يشهد تحولاً جذرياً مع صعود مساعدي الذكاء الاصطناعي ونماذج اللغة الضخمة التي تقدم الإجابات مباشرةً بدلاً من إحالة المستخدمين إلى صفحات مليئة بالروابط التقليدية، موضحة أن هذا التغيير سيؤدي إلى انخفاض حركة المرور نحو مواقع الأخبار والمراجع، ويضع المؤسسات الإعلامية أمام تحديات تتعلق بالوصول للجمهور والحفاظ على علاماتها التجارية.
واعتبرت إسكندر في مقال نشره مختبر نيمان حول توقعات مستقبل الصحافة لعام 2026 أن القوة الحقيقية تكمن في مصادر المعرفة التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي في الخفاء، مشيرة إلى أن شركات التقنية ستضطر إلى تبني نهج أكثر شفافية يشبه نموذج ويكيبيديا، مع ضوابط جودة صارمة للبيانات وسياسات واضحة للإدراج والتصحيح والحذف.
وقالت: إن عام 2026 سيشهد تحولًا جذرياً في طريقة البحث على الإنترنت، مبينة أن ويكيبيديا أصبحت بنية تحتية أساسية تغذي المساعدين الصوتيين ومحركات البحث وروبوتات الدردشة، حتى عندما لا يظهر رابطها للمستخدمين، وهو ما يعكس أهمية المعرفة المفتوحة التي ينتجها البشر كركيزة لا غنى عنها لعصر الذكاء الاصطناعي.
ولفتت إلى الأبحاث التي تؤكد أن ملخصات الذكاء الاصطناعي ومربعات الإجابات تجذب انتباه المستخدمين وتلبي احتياجاتهم دون الحاجة إلى النقر، وهو ما يؤدي إلى انخفاض حركة المرور نحو مواقع الأخبار والمراجع والمعلومات المتخصصة، موضحة أن هذا ليس مجرد تطور في تحسين محركات البحث، بل تحول جذري في موازين القوى، حيث تتحول “محركات الإجابات” المبهمة إلى حكم واحد مُعدّ مسبقًا يخفي التصنيفات والمصادر وحتى الآراء المخالفة.
وبينت كاتبة المقال أن يعني هذا تواصلًا أقل مع الجمهور بالنسبة للمؤسسات الإعلامية، وضعفاً في الوعي بالعلامة التجارية، وفرصاً أقل لشرح السياق والفروق الدقيقة والمنهجية بأسلوبها الخاص، مبينة أن القوة الحقيقية تكمن في تشكيل المعرفة التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي في الخفاء، وهو ما يجعل مصادر المعرفة المنظمة والموثوقة ضرورية للحد من الأخطاء وكبح المعلومات المضللة ومعالجة المخاطر المتعلقة بالسمعة.

وعرضت إسكندر تجربة ويكيبيديا في إدارة المعرفة والتي أصبحت مثالاً بارزاً على هذا التحول، متوقعة أن بعض الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي ستضطر بحلول عام 2026، بفعل الضرورة التقنية والضغط الشعبي واللوائح التنظيمية، إلى تبني نهج أقرب إلى نهج ويكيبيديا، مع ضوابط جودة أكثر صرامة تشمل البيانات نفسها وليس فقط فلاتر الأمان على المخرجات، إضافة إلى سياسات أوضح لما يُدرج أو يُصحح أو يُحذف، وسيُجبر التدقيق المتزايد حول بيانات التدريب ونسب البيانات والمساءلة القانونية هذه الشركات على التحول من “الاستخراج الآن، والتصحيح لاحقاً” إلى نماذج شراكة ودعم مع المصادر التي تعتمد عليها.
وأوضحت أن ويكيبيديا لم تكتسب ثقة المستخدمين لأنها مثالية، بل لأنها تتيح لهم رؤية كيف تُحاول تصحيح نفسها من خلال سياسات شفافة وسجلات تعديلات واضحة وثقافة إشراف بشري، وقالت: مع ازدياد دور أنظمة الذكاء الاصطناعي في العلاقة مع الجمهور، ستحتاج غرف الأخبار والأرشيفات والمواقع المرجعية إلى توضيح ليس فقط ما تعرفه، بل أيضاً كيف تعرفه، والإصرار على أن تحافظ شركات الذكاء الاصطناعي على هذا المصدر بدلاً من اختزاله في إجابة واحدة “موثوقة”.
هذا التحول يعني أمرين أساسيين للإعلام في عام 2026 من وجهة نظر إسكندر، أولهما أن القيمة ستزداد في المعرفة الأساسية القابلة لإعادة الاستخدام مثل البيانات المنظمة والتراخيص المفتوحة والأرشيفات القابلة للقراءة آلياً، أما الثانية فهي المؤسسات التي تعتبر جودة المعرفة وشفافيتها ركيزتين أساسيتين ستصبح شريكاً لا غنى عنه لشركات الذكاء الاصطناعي التي تسعى لإدارة المخاطر والحفاظ على الثقة.
وختمت رئيس مؤسسة ويكيميديا بالقول: “إذا كان العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قد تمحور حول بناء شبكة الروابط، فإن أواخر العقد الحالي ستتمحور حول إدارة شبكة الإجابات”، مشددة على أن ويكيبيديا، التي ستبلغ 25 عاماً في يناير 2026، تُظهر أن المعرفة المفتوحة التي يديرها البشر قادرة على الصمود أمام التحولات الجذرية في التكنولوجيا، وأن نجاح شركات الذكاء الاصطناعي والإعلام على المدى الطويل يعتمد على رعاية هذه المعرفة البشرية لا على استنزافها.
ما هي مؤسسة ويكيميديا؟
يذكر أن ويكيميديا مؤسسة عالمية غير ربحية تأسست عام 2003 في الولايات المتحدة لإدارة ودعم مشاريع المعرفة الحرة، وأشهرها موسوعة ويكيبيديا التي أُطلقت عام 2001 وتتضمن 65 مليون مقالة بأكثر من 300 لغة.
وإلى جانب ويكيبيديا، تدير هذه المؤسسة مشاريع مثل ويكاموس، ويكي الاقتباس، ويكي الأخبار، ويكي بيانات، ويكيميديا كومنز وهو مستودع صور ووسائط حرة، حيث تعمل على توفير البنية التحتية التقنية التي تتيح تشغيل هذه المشاريع على نطاق عالمي، وتأمين التمويل والدعم القانوني والتنظيمي لضمان استمرارية المعرفة الحرة، وتعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية عبر سياسات مفتوحة وإشراف بشري على المحتوى.
المصادر
Nieman Lab
ويكيميديا




