“بالانتير”: الذكاء الاصطناعي في خدمة الإبادة بغزة
شركة تجسس ضخمة تُسهم في تعزيز اقتصاد الإبادة بحق الفلسطينيين

أثيرت الكثير من الشكوك حول شركة بالانتير (Palantir Technologies) الأميركية تتعلق بدورها في دعم الاحتلال الإسرائيلي عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المراقبة، ما دفع ناشطين ومنظمات دولية إلى وصفها بأنها “شركة تجسس ضخمة” تسهم في تعزيز اقتصاد الإبادة بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.

صعود مثير للجدل
ورد اسم بالانتير في تقارير أممية ودولية عدة، كما وضعها نشطاء ومتظاهرون على قوائم الشركات المتورطة في دعم الجرائم الإسرائيلية، إذ تشير التقارير إلى أن الشركة -من بين 15 شركة عالمية- يشتبه بتورطها في توفير تقنيات تُستخدم في عمليات القصف والمراقبة ضد المدنيين الفلسطينيين.
كما تُظهِر سجلات هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) أن شركة بالانتير حصلت حديثاً على عقد بقيمة 30 مليون دولار لتطوير منصة لتتبّع تحركات المهاجرين داخل الولايات المتحدة وإنشاء قاعدة بيانات مركزية تُسهِّل عمليات الترحيل الجماعي.
ومع استمرار تعاونها الوثيق مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتوقيعها عقوداً عسكرية ضخمة مع الجيش الأميركي، ارتفعت القيمة السوقية للشركة بصورة لافتة بعد إعلان نتائج مالية قوية في الربع الثاني من عام 2025، إذ تجاوزت أرباحها وإيراداتها التوقعات بفارقٍ كبير.
جذور الشركة وأهدافها الأمنية
تأسست شركة بالانتير لتحليل البيانات عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 على يد “بيتر ثيل” و”ألكس كارب” وثلاثة شركاء آخرين، بهدف تطوير أدوات تحليل استخباراتي متقدّمة.
ومنذ نشأتها، ارتبط اسمها بأنظمة المراقبة الجماعية التي طُوِّرت لأتمتة المهام التي كان ينفذها ضباط الاستخبارات الأميركية يدوياً.
يُعرف بيتر ثيل، رئيس مجلس إدارة بالانتير، بأنه ملياردير ألماني-أميركي كوَّن ثروته من استثماراته في فيسبوك و من كونه أحد مؤسسي باي بال.
فيما يُصنف سياسياً على أنه يميني متطرف، مناهض للديمقراطية وحقوق النساء، وصديق مُقرَّب من إيلون ماسك، كما يعد من أبرز داعمي دونالد ترامب وذو تأثير مباشر على نائبه “جيه دي فانس”.
أما الرئيس التنفيذي ألكسندر كارب، فهو رجل أعمال أميركي من أصول يهودية، بدأ مسيرته في الاستثمار بأسواق الأسهم والشركات الناشئة، وتُقدّر ثروته في عام 2025 بأكثر من 12 مليار دولار، ليصبح ضمن أغنى 300 شخص في العالم وفقاً لمجلة فوربس.
عقود مليارية مع البنتاجون
تلقَّت “بالانتير” دفعة قوية في عهد ترامب بفضل حملته لتحسين كفاءة مؤسسات الدولة، إذ منحها الجيش الأميركي عقداً بقيمة 10 مليارات دولار يمتد لعقدٍ كامل، لتصبح الشركة محللاً رئيسياً للبيانات داخل المؤسسة العسكرية الأميركية.
إضافة إلى ذلك، أبرمت الشركة عقوداً جديدة مع سبع وكالات فيدرالية أخرى، في ظل تصاعد التوترات الدولية واندلاع النزاعات في أوكرانيا واحتدام التنافس بين الصين وتايوان، ما دفع البنتاغون إلى التركيز على تسريع تطوير قدراته في تحليل البيانات واستخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب.

الذكاء الاصطناعي كسلاح مراقبة وتنبؤ
تُقدِّم بالانتير تطبيقات قادرة على ربط معلومات الأفراد من مصادر متعددة مثل:
- أرقام الهواتف المكالمات
- السجلات الصحية والجامعية
- بيانات الشرطة والمرور.
وباستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن للنظام التنبؤ بسلوك الأشخاص ورصد تحركاتهم المستقبلية.
يُوصف هذا النظام بكونه أداة تجسس متقدمة، حيث بيعت منه عدة نسخ لعدد من الدول، أبرزها الاحتلال الإسرائيلي، فيما أكَّدت تحقيقات سابقة استخدام النظام نفسه في مراقبة شخصيات سياسية كالمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، وعدد من المعارضين في دولٍ عربية.
دعم علني لإسرائيل في حرب غزة
لم تُخفِ بالانتير موقفها المؤيد للاحتلال الإسرائيلي، إذ عبَّر الرئيس التنفيذي ألكسندر كارب عن دعمه الصريح للعمليات العسكرية في غزة، مؤكداً أن شركته شاركت في “عمليات حاسمة” داخل إسرائيل.
لم يكتفِ كارب بذلك، بل هاجم الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين في الجامعات الأميركية قائلاً:
على المتظاهرين أن يُرسلوا إلى كوريا الشمالية.
فيما خصصت الشركة 180 وظيفة لخريجي الجامعات اليهود.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2023، نشرت الشركة إعلاناً على صفحة كاملة في صحيفة نيويورك تايمز حمل عبارة:
بالانتير تدعم إسرائيل
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الشركة جزءاً أساسياً من البنية التكنولوجية العسكرية الإسرائيلية، إذ يعتمد الجيش الإسرائيلي على برامجها المدعومة بالذكاء الاصطناعي في استهداف مواقع داخل غزة
في السياق نفسه، تشير تقارير متعددة إلى أن بالانتير تُزوِّد وزارة الدفاع الإسرائيلية بقدرات تحليل متقدمة لصور الطائرات المسيرة وبيانات المراقبة، بما يمكِّن الجيش من تحديد الأهداف بدقة عالية، سواء داخل المنازل أو المركبات المتحركة.
التكنولوجيا في خدمة “اقتصاد الإبادة”
وفقاً لتقارير إعلامية أميركية، من بينها تقرير لوكالة بلومبرج، ففي سبتمبر/أيلول 2025، عقد رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو اجتماعاً في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مع مجموعة من المستثمرين ومديري شركات التكنولوجيا، من بينهم “بيتر ثيل” رئيس مجلس إدارة بالانتير، لبحث كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في تعزيز اقتصاد إسرائيل العسكري والأمني.
وخلال الاجتماع، نوقشت سبل تسخير التطور السريع في الذكاء الاصطناعي للحفاظ على التفوق التكنولوجي لإسرائيل في مجالات الأمن والدفاع، ما اعتبره مراقبون جزءاً من توجه أوسع لتحويل التكنولوجيا إلى أداة مركزية في إدارة الحرب على غزة.

تصاعد الدعوات لمقاطعة بالانتير
رغم التوسع الكبير في استخدام أنظمة بالانتير داخل المؤسسات العسكرية والأمنية حول العالم، تواجه الشركة حملة متنامية من المقاطعة وسحب الاستثمارات.
ففي عام 2024، أعلنت شركة ستوربراند (Storebrand) النرويجية لإدارة الأصول -إحدى أكبر الشركات الاستثمارية في أوروبا الشمالية- عن استبعاد بالانتير من محفظتها الاستثمارية بسبب تورطها في دعم الاحتلال الإسرائيلي.
وذكرت ستوربراند أن تحقيقاتها كشفت أن الشركة تزوِّد إسرائيل بأنظمة شرطة تنبؤية قائمة على الذكاء الاصطناعي تُستخدم في مراقبة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، مؤكدةً:
تلك الأنظمة تسهم في انتهاك حقوق الإنسان واعتقال الفلسطينيين من دون تهمة أو محاكمة.
اتهامات أممية بالتواطؤ في جرائم حرب
بحسب لجنة خدمة الأصدقاء الأميركية (AFSC)، تُعد بالانتير واحدة من عشرات الشركات المستفيدة من الإبادة الجماعية في غزة، كما سلَّط تقرير المقرِّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، الضوء على تواطؤ مئات الشركات العالمية الكبرى في دعم ما سمَّته “اقتصاد الإبادة”، وعلى رأسها بالانتير.
من جانبها، أكدت ألبانيز أنّ تعاون الشركة مع الاحتلال الإسرائيلي يمتد لسنوات، لكنه تصاعد بشكلٍ كبير بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيرةً إلى أن استمرارها في تقديم الدعم التكنولوجي والعسكري لإسرائيل رغم الأدلة الدامغة على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، يُعدُّ تواطؤاً في جرائم دولية وفقاً للقانون الدولي الإنساني.
تكشف قصة بالانتير عن الوجه المظلم لتقنيات الذكاء الاصطناعي حين تُسخَّر لخدمة الحروب والاحتلال بدلاً من خدمة الإنسانية.
فبينما تُقدِّم الشركة نفسها كمنصة لتحليل البيانات من أجل “الأمن العالمي”، تُظهر الوقائع أنها جزء من شبكة تكنولوجية تُمكِّن الاحتلال من ممارسة الإبادة بحق المدنيين في قطاع غزة المحاصر تحت غطاء “الابتكار” و”الأمن القومي”.
المصادر:




