مقالات

هل “الحوسبة الحيوية” و”الذكاء العضوي” مفاهيم واقعية أم خيال علمي؟

الولايات المتحدة وسويسرا والصين وأستراليا تتسابق لتطوير منصات حوسبة حيوية هجينة

تركز الأبحاث العلمية حالياً على إمكانية تحويل فكرة الحوسبة الحيوية “Bio-computing” إلى مجال بحثي وتطبيقي جادّ، وذلك عبر استخدام خلايا دماغية بشرية حية في بناء أنظمة حوسبة، ورغم أن هذه التقنية لاتزال في بداياتها، إلا أنها تثير اهتماماً واسعاً كونها تجمع بين علم الأعصاب والذكاء الاصطناعي والهندسة الحيوية.

كما تفتح هذه التقنية الثورية الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التطورات هي خيال علمي، أم تمثل اختراقات حقيقية، أومجرد موجة جديدة من الضجة الإعلامية، فضلاً عن القضايا الأخلاقية المرتبطة باستخدام أنسجة دماغية بشرية في الحوسبة.

“الحوسبة الحيوية”.. أساس علمي وتقني

بينما يواصل الباحثون في مجال الذكاء الاصطناعي استكشاف حدود التكنولوجيا الحالية، يبرز اتجاه جديد يقوم على استخدام خلايا دماغية بشرية حية كأجهزة حاسوبية، ويحظى هذا التوجه باهتمام متزايد نتيجة عدة عوامل، كما أوضح الباحث برام سيرفايس المتخصص في الهندسة الطبية الحيوية بجامعة ملبورن في مقال على موقع The Conversation:

  1. تدفق رأس المال الاستثماري إلى أي مشروع قريب من الذكاء الاصطناعي، ليكتسب بذلك ميزة إمكانية التمويل في أي وقت.
  2. نضوج تقنيات زراعة أنسجة المخ خارج الجسم وانضمام صناعة الأدوية إليها.
  3. التطورات السريعة في واجهات الدماغ والحاسوب التي تلغي الحدود الفاصلة بين علم الأحياء والآلات.
هل "الحوسبة الحيوية" و"الذكاء العضوي" مفاهيم واقعية أم خيال علمي؟
مصفوفة أقطاب كهربائية دقيقة مصنعة حديثاً. (حقوق الصورة: The Conversation)

ويعيد الباحث إلى الأذهان أن علماء الأعصاب عملوا منذ نحو 50 عاماً على تنمية الخلايا العصبية فوق مصفوفات من الأقطاب الكهربائية لدراسة نشاطها، وبحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حاول الباحثون إجراء اتصال ثنائي الاتجاه بدائي بين الخلايا العصبية والأقطاب الكهربائية، واضعين بذلك البذور الأولى للحاسوب الحيوي الهجين، لكن التقدم توقف حتى انطلق فرع آخر من الأبحاث: العضيات الدماغية.

ويلفت الباحث إلى أن العلماء أثبتوا في عام 2013 أن الخلايا الجذعية قادرة على التنظيم الذاتي لتكوين تراكيب ثلاثية الأبعاد شبيهة بالدماغ، وانتشرت هذه العضيات بسرعة في مجال البحوث الطبية الحيوية، مدعومة بشكل متزايد بأجهزة “العضو على رقاقة” المصممة لمحاكاة جوانب من وظائف الأعضاء البشرية خارج الجسم.

ويؤكد الباحث أن استخدام الأنسجة العصبية المشتقة من الخلايا الجذعية أصبح أمراً شائعاً اليوم، بدءاً من اختبار الأدوية وصولاً إلى أبحاث النمو، ومع ذلك، لا يزال النشاط العصبي في هذه النماذج بدائياً، بعيداً كل البعد عن أنماط الإشارات العصبية المنظمة التي تدعم الإدراك أو الوعي في الدماغ الحقيقي.

وفي حين أن سلوك الشبكة المعقدة بدأ يظهر حتى بدون الكثير من التحفيز الخارجي، يتفق الخبراء عموماً على أن العضيات الحالية ليست واعية، ولا تقترب من ذلك.

هل "الحوسبة الحيوية" و"الذكاء العضوي" مفاهيم واقعية أم خيال علمي؟
“الذكاء العضوي” والجدل الأخلاقي

وفقاً للباحث، شهد عام 2022 نقطة تحول عندما عرضت شركة Cortical Labs خلايا عصبية مستزرعة قادرة على تعلم لعبة بسيطة، ما أثار جدلاً واسعاً حول مصطلحات مثل “الوعي المتجسد”.

لاحقاً ظهر مفهوم الذكاء العضوي “Organoid Intelligence” الذي جذب الإعلام لكنه أثار مخاوف من الخلط بين هذه الأنظمة والذكاء الاصطناعي المتقدم.

ورغم ذلك، لم تواكب النقاشات الأخلاقية سرعة التطور، إذ تركز معظم الأطر الحالية على العضيات كأدوات طبية لا كعناصر في أنظمة حوسبة هجينة، ما دفع باحثين إلى المطالبة بتحديث عاجل للمبادئ التوجيهية.

ويقول الكاتب: “على الرغم من الأخبار التي تصدرت الصفحة الأولى في مجلة Nature، لا يزال الكثير من الناس غير واضحين في الواقع بشأن ماهية الحاسوب الحي“.

هل "الحوسبة الحيوية" و"الذكاء العضوي" مفاهيم واقعية أم خيال علمي؟
مستقبل غامض وأسئلة مفتوحة

شركات ومؤسسات بحثية في الولايات المتحدة وسويسرا والصين وأستراليا تتسابق لتطوير منصات حوسبة حيوية هجينة، وبعض الشركات مثل “Final Spark” بدأت بالفعل في إتاحة نماذجها العصبية للباحثين، فيما تستعد “Cortical Labs” لطرح حاسوب حيوي مكتبي باسم “CL1″، كما تتوسع الطموحات الأكاديمية لتشمل تطبيقات غير تقليدية مثل التنبؤ بتسرب النفط باستخدام العضيات.

ورغم ذلك، يعتبر الباحث أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الذكاء العضوي سيشكل ثورة في عالم الحوسبة أو سيبقى مجرد “ظاهرة عابرة”، مبيناً عدم وجود دلائل علمية حتى الآن تثبت امتلاكه قدرات إدراكية أو وعياً حقيقياً، إذ تقتصر الأنظمة الحالية على استجابات محدودة وقدرة بسيطة على التكيف، بعيدة تماماً عن التعقيد الذي يميز الإدراك البشري.

ولفت إلى أن الجهود البحثية تتركز حالياً على تحسين النماذج الأولية، إعادة إنتاجها بشكل أكثر استقراراً، وتوسيع نطاق استخدامها لإيجاد تطبيقات عملية، وفي هذا السياق، تستكشف فرق علمية عديدة العضيات الدماغية كبديل محتمل للنماذج الحيوانية في أبحاث الأعصاب والسموم.

وأضاف أن إحدى المجموعات البحثية اقترحت إطاراً لدراسة تأثير المواد الكيميائية على نمو الدماغ في مراحله المبكرة، فيما أظهرت دراسات أخرى تقدماً في التنبؤ بالنشاط العصبي المرتبط بالصرع عبر دمج الخلايا العصبية مع أنظمة إلكترونية، موضحاً أن هذه التطبيقات ما تزال تدريجية، لكنها تحمل إمكانات واعدة لمستقبل الأبحاث الطبية والتقنية.

في الوقت نفسه حذر الباحث من السياق الأوسع الذي يحيط بهذه التطورات، فبينما يسعى فيه بعض المليارديرات، مثل إيلون ماسك، إلى تطوير تقنيات زراعة الخلايا العصبية وتحقيق رؤى تتجاوز حدود الإنسان التقليدي، يطرح الذكاء العضوي أسئلة جوهرية مثل: ما الذي يمكن اعتباره ذكاءً حقاً؟ وهل يمكن لشبكة من الخلايا البشرية أن تستحق مكانة أخلاقية في يوم من الأيام؟ وكيف يجب على المجتمع التعامل مع أنظمة بيولوجية تتصرف، ولو بشكل محدود، مثل أجهزة حاسوب صغيرة؟

واختتم الباحث مقاله بالقول إن هذه التقنية ما تزال في مراحلها الأولى، إلا أن مسارها الحالي يوحي بأن النقاشات حول الوعي، والهوية، وأخلاقيات دمج الأنسجة الحية بالآلات قد تصبح ضرورة ملحة في وقت أقرب مما يتوقع الكثيرون.

المصادر
The Conversation
Science Alert

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى